فهرس الكتاب

الصفحة 1747 من 2053

15 -تتّفق المذاهب الأربعة على أنّه يجب في الوضوء غسل بشرة الوجه من شعر اللّحية إن كان خفيفًا تظهر البشرة من تحته , فيغسل البشرة ويغسل اللّحية ظاهرًا وباطنًا , والمراد بظهور البشرة ظهورها في مجلس المخاطبة , ووجه الوجوب أنّ اللّه تعالى فرض في الوضوء غسل الوجه , والوجه من المواجهة , والمواجهة تحصل في اللّحية ذات الشّعر الخفيف ببشرة الوجه وبالشّعر الّذي عليها .

وهذا الاتّفاق إنّما هو فيما كان من الشّعر في حيّز دائرة الوجه , دون المسترسل من اللّحية تحت الذّقن طولًا , ودون الخارج عن حدّ الوجه عرضًا , فإنّ في هذا خلافًا يأتي بيانه .

أمّا اللّحية الكثيفة فتتّفق الأقوال المعتمدة في المذاهب الأربعة على أنّه لا يجب في الوضوء غسل باطنها ولا إيصال الماء إلى البشرة ومنابت الشّعر , لعدم حصول المواجهة به لأنّه لا يرى في مجلس المخاطبة , فلا يكون من الوجه المأمور بغسله , وفي نيل المآرب: لو اجتزأ بغسل باطنها عن غسل ظاهرها لم يجزئه , ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أخذ غرفةً من ماءٍ فغسل بها وجهه » ، قالوا: والغرفة لا تكفي لغسل الوجه وظاهر اللّحية الكثيفة وباطنها , وفي هذه الحال ينتقل حكم ما تحت اللّحية إليها عند الجمهور , فيجب غسل ظاهر ما في حدّ الوجه منها .

ولا يسن غسل باطن اللّحية الكثيفة على ما صرّح به الحنفيّة والحنابلة لما فيه من العسر , على ما قال ابن قدامة من الحنابلة , ورجّح صاحب الإنصاف من الحنابلة أنّ غسل باطنها مكروه وتبعه صاحب الإقناع .

وفي روايةٍ عن أبي حنيفة وروايةٍ عن أحمد: لا يغسل اللّحية الكثيفة في الوضوء ولا يغسل ما تحتها أيضًا , لأنّ اللّه تعالى إنّما أمر بغسل الوجه , والوجه اسم للبشرة الّتي تحصل بها المواجهة , والشّعر ليس ببشرة , وما تحته من البشرة لا تحصل به المواجهة .

وقد نقل ابن عابدين أنّ الرّواية الأولى هي المذهب الصّحيح المفتى به , وما عداها مرجوع عنه , كما أنّ ابن قدامة ضعّف رواية عدم الغسل عن أحمد وأوّلها .

ونقل ابن قدامة عن عطاءٍ وأبي ثورٍ أنّه يجب غسل البشرة وباطن اللّحية الكثيفة - كغير الكثيفة - في الوضوء كما في الغسل , لأنّ اللّه تعالى أمر بغسل الوجه , وهو حقيقة في البشرة , وتدخل اللّحية تبعًا , ونقل القرافي قولًا مثل هذا للمالكيّة .

قال: لأنّ الخطاب متناول له بالأصالة , ولغيره بالرخصة , والأصل عدمها .

وعلى القول الأوّل , وهو قول الأكثرين , يكون غسل ظاهر اللّحية - على ما نصّ عليه الحنفيّة على الأصحّ عندهم - بإمرار الماء على ظاهرها , وقال المالكيّة: المراد بغسل ظاهرها إمرار اليد عليها بالماء وتحريكها به لأنّ الشّعر يدفع بعضه عن بعضٍ , فإذا حرّكه حصل الاستيعاب , قالوا: وهذا التّحريك خلاف التّخليل .

ما استرسل من اللّحية أو خرج عن حدّ الوجه:

16 -اختلف الفقهاء في غسل ما خرج عن حدّ الفرض من اللّحية في الوضوء:

فذهب الحنفيّة والمالكيّة في قولٍ والشّافعيّة في قولٍ , وهو رواية عن أحمد , إلى أنّه لا يجب غسله ولا مسحه ولا تخليله , لأنّه ليس من الوجه , لأنّه شعر خارج عن محلّ الفرض , فأشبه ما نزل من شعر الرّأس عن الرّأس , لا يجب مسحه مع مسح الرّأس .

ثمّ قد قال الحنفيّة: إنّ غسل هذا الشّعر المسترسل من اللّحية مسنون .

وذهب المالكيّة في قولٍ ذكره القرافي والشّافعيّة في المعتمد , وهو ظاهر مذهب أحمد الّذي عليه أصحابه , إلى وجوب غسل ظاهر اللّحية الكثيفة كلّها ممّا هو نابت في محلّ الفرض سواء حاذى محلّ الفرض أو جاوزه , قال الشّافعيّة: وإنّما يجب غسل ما جاوز محلّ الفرض بالتّبع , وقال الحنابلة: لأنّ اللّحية تشارك الوجه في معنى التّوجه والمواجهة , بخلاف ما نزل من شعر الرّأس عنه , فإنّه لا يشارك الرّأس في التّرؤُّس .

حلق شعر اللّحية بعد غسله في الوضوء:

إذا توضّأ فغسل ظاهر لحيته , أو ظاهرها وباطنها , ثمّ أزالها بحلق أو غيره لم يلزمه إعادة الوضوء على ما صرّح به الحنفيّة وهو الرّاجح عند المالكيّة .

وانظر: ( وضوء ) .

تخليل اللّحية الكثيفة في الوضوء:

17 -يسن لغير المحرم تخليل اللّحية الكثيفة في الوضوء عند كلٍّ من الشّافعيّة والحنابلة , وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة وقول للمالكيّة , وذلك للحديث الوارد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « كان إذا توضّأ خلّل لحيته » , وفعله ابن عمر وابن عبّاسٍ وأنس والحسن رضي الله عنهم , وقال أبو حنيفة ومحمّد: هو فضيلة ، قال ابن عابدين: ورجّح في المبسوط قول أبي يوسف , والأدلّة ترجّحه وهو الصّواب . ا هـ .

وقد وردّ التّرخيص في ترك التّخليل عن ابن عمر والحسن بن عليٍّ وطاووسٍ والنّخعيّ وغيرهم , وقال من لم يوجبه: إنّ اللّه تعالى أمر بغسل الوجه ولم يأمر بالتّخليل , وإنّ أكثر من حكى وضوء النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يحك أنّه خلّل لحيته مع أنّه كان كثيفها , فلو كان واجبًا لما أخلّ به .

وفي قولٍ للمالكيّة: التّخليل مكروه , وهو الرّاجح عندهم على ظاهر ما في المدوّنة من قول مالكٍ: تحرّك اللّحية من غير تخليلٍ .

والقول الثّالث للمالكيّة , وهو قول إسحاق بن راهويه: التّخليل واجب , والتّخليل عند من قال به يكون مع غسل الوجه , إلا أنّ الحنابلة نقلوا عن نصّ أحمد أنّ التّخليل يكون مع غسل الوجه أو إن شاء مع مسح الرّأس .

وصفته على ما في شرح منتهى الإرادات أن يأخذ كفًا من ماءٍ يضعه من تحتها فيخلّلها بأصابعه مشتبكةً , أو يضعه من جانبيها ويعرّكها به .

غسل العنفقة في الوضوء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت