فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لو تنجّس مائع غير الماء كاللّبن والخلّ ونحوهما تعذّر تطهيره , إذ لا يأتي الماء على كلّه , لأنّه بطبعه يمنع إصابة الماء ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم عندما سئل في فأرةٍ وقعت في سمنٍ: « إن كان جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فلا تقربوه » وفي روايةٍ: « فأريقوه » , فلو أمكن تطهيره شرعًا , أو كان إلى تطهيره طريق لم يأمر بالابتعاد عنه , أو بإراقته , بل أمر بغسله وبيّن لهم طريقة تطهيره , لما في ذلك من إضاعة المال .
وعليه فإذا تنجّس لبن أو مرق أو زيت أو سمن مائع أو دهن من سائر الأدهان أو غير ذلك من المائعات فلا طريق لتطهيرها للحديث المتقدّم , ولأنّه لا يمكن غسله .
واستثنى بعض الشّافعيّة والحنابلة من هذا الزّئبق , فإنّ المتنجّس منه إن أصابته نجاسة ولم ينقطع بعد إصابتها طهّر بصبّ الماء عليه , وإن انقطع فهو كالدهن ولا يمكن تطهيره على الأصحّ .
وقال ابن عقيلٍ من الحنابلة: الزّئبق لقوّته وتماسكه يجري مجرى الجامد .
كما استثني في قولٍ عند كلٍّ من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة الزّيت والسّمن وسائر الأدهان وقالوا: إنّها تطهر بالغسل قياسًا على الثّوب , قالوا: وطريق تطهيرها أن نجعل الدهن في إناءٍ ويصب عليه الماء ويكاثر به ويحرّك بخشبة ونحوها تحريكًا يغلب على الظّنّ أنّه وصل إلى جميع أجزائه , ثمّ يترك حتّى يعلو الدهن على الماء فيأخذه , أو يفتح أسفل الإناء فيخرج الماء ويطهر الدهن ويسد الفتحة بيده أو بغيرها , وذكر ابن عرفة - من المالكيّة - في كيفيّة التّطهير أنّه يطبخ - الزّيت المخلوط بالنّجس - بالماء مرّتين أو ثلاثًا , قال الحطّاب بعد ذكر هذا القول: وقال في التّوضيح كيفيّته - أي التّطهير - على القول به أن يؤخذ إناء فيوضع فيه شيء من الزّيت ويوضع عليه ماء أكثر منه , وينقب الإناء من أسفله ويسده بيده أو بغيرها ثمّ يمخّض الإناء ، ثمّ يفتح الإناء فينزل الماء , ويبقى الزّيت يفعل ذلك مرّةً بعد مرّةٍ حتّى ينزل الماء صافيًا , قال المالكيّة والشّافعيّة: محل الخلاف إذا كانت النّجاسة الّتي أصابت المائع الدهنيّ غير دهنيّةٍ كالبول مثلًا أما إذا كانت دهنيّةً كودك الميتة فلا تقبل التّطهر بلا خلافٍ لممازجتها له .
والفتوى عند الحنفيّة على أنّه يطهر لبن وعسل ودبس ودهن يغلى ثلالًا , وقال في الدرر: ولو تنجّس العسل فتطهيره أن يصبّ فيه ماء بقدره فيغلى حتّى يعود إلى مكانه والدهن يصب عليه الماء فيغلي فيعلو الدهن الماء فيرفع بشيء هكذا ثلاث مرّاتٍ .
وتفصيل ذلك في مصطلح: ( نجاسة ) .
ج - الانتفاع بالمائعات النّجسة:
5 -ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والحنابلة إلى أنّه لا يجوز الانتفاع بودك الميتة أو شحمها في طلي السفن ونحوها , أو الاستصباح بها أو لأيّ وجهٍ آخر من وجوه الاستعمال ما عدا جلدها إذا دبغ , لعموم النّهي عن ذلك في حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما أنّه سمع رسول اللّه يقول عام الفتح وهو بمكّة: « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ، فقيل: يا رسول اللّه أرأيت شحوم الميتة فإنّه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها النّاس ؟ فقال: لا هو حرام ، ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل اللّه اليهود إنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا حرّم عليهم شحومها أجملوه ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه » إلا أنّ ابن قدامة قال: ولبن الميتة وإنفَحتها روي أنّها طاهرة وهو قول أبي حنيفة لأنّ الصّحابة رضي الله عنهم: أكلوا الجبن لمّا دخلوا المدائن وهو يعمل بالإنفَحة وهي تؤخذ من صغار المعز فهو بمنزلة اللّبن وذبائحهم ميّتة . وذهب أحمد بن حنبلٍ , وأحمد بن صالحٍ وابن الماجشون من المالكيّة , وابن المنذر وهو مقابل المشهور عند الشّافعيّة إلى أنّه لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك كلّه في شيءٍ من الأشياء للحديث المتقدّم , ولما على الإنسان من التّعبد في اجتناب النّجاسة , ولأجل دخان النّجاسة - بالنّسبة للاستصباح - فإنّه قد يصيب بدنه أو ثوبه عند القرب من السّراج ، نقل عن ابن الماجشون من المالكيّة: أنّه لا ينتفع بشيء من النّجاسات في وجهٍ من الوجوه . وقال الشّافعيّة: يحل مع الكراهة في غير المسجد الاستصباح بالدهن النّجس عينه كودك ميتةٍ , أو بعارض كزيت ونحوه وقعت فيه نجاسة على المشهور في المذهب , لأنّه صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرةٍ وقعت في سمنٍ ؟ فقال: « إن كان جامدًا فألقوها وما حولها , وإن كان مائعًا فاستصبحوا به أو فانتفعوا به » , وعلى هذا يعفى عمّا يصيب الإنسان من دخان المصباح لقلّته .
ومقابل المشهور: أنّه لا يجوز لأجل دخان النّجاسة فإنّه قد يصيب بدنه أو ثوبه عند القرب من السّراج .
أمّا في المسجد فلا يجوز لما فيه من تنجيسه كما جزم ابن المقري تبعًا للأذرعيّ والزّركشيّ, وإن كان ميل الإسنويّ إلى الجواز .
ويستثنى أيضًا ودك نحو الكلب كما قاله في البيان ونقله الغزّيّ عن الإمام .
قال الغزّيّ: ويجوز أن يجعل الزّيت المتنجّس صابونًا أيضًا للاستعمال أي لا للبيع .
قال في المجموع: ويجوز طلي السفن بشحم الميتة وإطعامها للكلاب والطيور وإطعام الطّعام المتنجّس للدّوابّ .