فهرس الكتاب

الصفحة 1758 من 2053

وفرّق الشّافعيّة في الأصحّ - ونقلوه عن نصّ الشّافعيّ - والحنابلة في معتمدهم بين البيع والشّراء , فكرهوا البيع - وفي روايةٍ عند الحنابلة يحرم ويصح - وأجازوا الشّراء والاستبدال , وروي عن ابن عبّاسٍ قال: اشتر المصاحف ولا تبعها , ووجه ذلك أنّ في البيع ابتذالًا بخلاف الشّراء , ففيه استنقاذ المصحف وبذل للمال في سبيل اقتنائه وذلك إكرام , قالوا: ولا يلزم من كراهة البيع كراهة الشّراء , كشراء دور مكّة ورباعها , وشراء أرض السّواد , لا يكره , ويكره للبائع .

إجارة المصحف:

24 -ذهب الحنفيّة والحنابلة وابن حبيبٍ من المالكيّة إلى عدم جواز إجارة المصحف .

أمّا الحنفيّة فعلّة المنع عندهم أنّه ليس في القراءة في المصحف أكثر من النّظر إليه , ولا تجوز الإجارة لمثل ذلك , كما لا يجوز أن يستأجر سقفًا لينظر إلى ما فيه من النقوش أو التّصاوير , أو يستأجر كرمًا لينظر فيه للاستئناس من غير أن يدخله , ومن أجل ذلك لا تجوز عندهم أيضًا إجارة سائر الكتب .

وأمّا الحنابلة في الوجه المعتمد عندهم فقد بنوا تحريم إجارته على تحريم بيعه , قالوا: ولما في إجارته من الابتذال له .

وأمّا ابن حبيبٍ فقد منع إجارته على الرّغم من أنّه يرى جواز بيعه , لأنّ الأجرة تكون كالثّمن للقرآن , أمّا بيعه فهو ثمن للورق والجلد والخطّ .

وذهب المالكيّة إلى جواز إجارة المصحف للقراءة فيه , قالوا: ما لم يقصد بإجارته التّجارة , وإلا كرهت .

ووجه الجواز عندهم أنّه نفع مباح تجوز الإعارة فيه , فجازت فيه الإجارة كسائر الكتب الّتي يجوز بيعها .

رهن المصحف:

25 -القاعدة: أنّ ما جاز بيعه جاز رهنه , وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه , ولذا يصح رهن المصحف عند كلّ من جوّز بيعه , لأنّه يمكن بيعه واستيفاء الدّين من ثمنه , وأمّا من لم يجوّز بيعه فلا يجوز عنده رهنه لعدم الفائدة في ذلك , وهو المعتمد عند الحنابلة نصّ عليه أحمد .

وقف المصحف:

26 -يجوز وقف المصاحف للقراءة فيها عند محمّد بن الحسن , استثناءً من عدم جواز وقف المنقولات لجريان التّعارف بوقف المصاحف , وإلى قوله هذا ذهب عامّة مشايخ الحنفيّة وعليه الفتوى عندهم , وهو مقتضى قول غيرهم بجواز وقف المنقولات .

وذهب أبو حنيفة إلى عدم جواز وقفها كسائر المنقولات غير آلات الجهاد .

ثمّ إن وقفه على مسجدٍ معيّنٍ يجوز , ويقرأ به في هذا المسجد خاصّةً , نصّ عليه الحنفيّة , وفي قولٍ عندهم: لا يكون مقصورًا على هذا المسجد بعينه .

إرث المصحف:

27 -يورث المصحف على القول المفتى به عند الحنفيّة وهو مقتضى قواعد غيرهم من أنّ كلّ مملوكٍ يورث عن مالكه .

وفي قولٍ عندً الحنفيّة: لا يورث , وهو قول النّخعيّ , فلو كان للميّت ولدان أحدهما قارئ والآخر غير قارئٍ , يعطى المصحف للقارئ .

القطع بسرقة المصحف:

28 -ذهب الحنفيّة , وهو قول أبي بكرٍ والقاضي أبي يعلى من الحنابلة إلى أنّ سارق المصحف لا يقام عليه الحد , قال ابن عابدين: لأنّ آخذه يتأوّل في أخذه القراءة والنّظر فيه , ولأنّه لا ماليّة له لاعتبار المكتوب فيه وهو كلام اللّه تعالى , وهو لا يجوز أخذ العوض عنه , وإنّما يقتنى المصحف لأجله , لا لأجل أوراقه أو جلده .

ويسري ذلك عند الحنفيّة على ما على المصحف من الحلية لكونه في حكم التّابع له , وللتّابع حكم المتبوع , كمن سرق صبيًا عليه ثياب قيمتها أكثر من نصابٍ فلا يقطع بها , لأنّها تابعة للصّبيّ ولا قطع في سرقته , وفي الفتاوى الهنديّة نقل عن السّراج الوهّاج: لا قطع في سرقة المصحف ولو كان عليه حلية تساوي ألف دينارٍ .

واختار أبو الخطّاب , وهو ما استظهره ابن قدامة من كلام الإمام أحمد إلى أنّه يقطع بسرقة المصحف , لعموم آية السّرقة , ولأنّه متقوّم تبلغ قيمته نصابًا فوجب القطع بسرقته , ككتب الفقه والتّاريخ وغيرها .

منع الكافر من تملك المصحف والتّصرف فيه:

29 -لا يجوز أن يشتري الكافر مصحفًا , لما في ذلك من الإهانة فإن اشتراه فالشّراء فاسد , واحتجّ الفقهاء لذلك بحديث ابن عمر: « نهى النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ مخافة أن تناله أيديهم » .

والشّافعيّة يرون حرمة بيع المصحف للكافر , لكن إن باعه له ففي صحّة البيع عندهم وجهان:

أظهرهما: لا يصح البيع , والثّاني: يصح ويؤمر في الحال بإزالة ملكه عنه .

قال القليوبي: ولو وكّل الكافر مسلمًا بشراء مصحفٍ لم يصحّ لأنّ الملك له يقع , ولو وكّل المسلم كافرًا بالشّراء صحّ لأنّه يقع للمسلم , وكذا لو قارض مسلم كافرًا فاشترى الكافر مصحفًا للقراض صحّ , لأنّه للقراض , ولا ملك للمضارب فيه .

ولا تصح هبة الكافر مصحفًا ولا الوصيّة له به .

ولا يصح وقف المصحف على كافرٍ .

ويحرم أن يعطي كافرًا مصحفًا عاريّةً ليقرأ فيه ويردّه , ولا تصح الإعارة , وقال الرّملي: تصح الإعارة فيه مع الحرمة .

مس الكافر المصحف وعمله في نسخ المصاحف وتصنيعها:

30 -يمنع الكافر من مسّ المصحف , كما يمنع منه المسلم الجنب , بل الكافر أولى بالمنع , ويمنع منه مطلقًا , أي سواء اغتسل أو لم يغتسل , وفي الفتاوى الهنديّة: أنّ أبا حنيفة قال: إن اغتسل جاز أن يمسّه , وحكي في البحر عن أبي حنيفة وأبى يوسف المنع مطلقًا .

ويمنع الكافر من العمل في تصنيع المصاحف , ومن ذلك ما قال القليوبي: يمنع الكافر من تجليد المصحف وتذهيبه , لكن قال البهوتيّ: يجوز أن ينسخ الكافر المصاحف دون مسٍّ أو حملٍ .

السّفر بالقرآن إلى أرض العدوّ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت