فهرس الكتاب

الصفحة 1757 من 2053

ونقل أبو عبيدٍ بسنده عن ابن عبّاسٍ وأبي ذرٍّ وأبي الدّرداء رضي اللّه عنهم أنّهم كرهوا كتابته بالذّهب , ونقل السيوطيّ عن الغزاليّ أنّه استحسن كتابته بالذّهب , وأجاز البرزليّ والعدويّ والأجهوريّ من المالكيّة ذلك , والمشهور عند المالكيّة كراهة ذلك لأنّه يشغل القارئ عن التّدبر .

إصلاح ما قد يقع في كتابة بعض المصاحف من الخطأ:

18 -ينص الحنفيّة والشّافعيّة على أنّ إصلاح ما قد يقع في بعض المصاحف من الخطأ في كتابتها واجب , وإن ترك إصلاحه أثم , حتّى لو كان المصحف ليس له بل كان عاريّةً عنده , فعليه إصلاحه ولو لم يعلم رضا صاحبه بذلك , وقال ابن حجرٍ: لا يجوز ذلك إلا برضا مالكه , وقال القليوبي: محل الجواز إذا كان بخطّ مناسبٍ وإلا فلا .

النّقط والشّكل ونحو ذلك في المصاحف:

19 -نقل عن بعض السّلف من الصّحابة والتّابعين كراهة إدخال شيءٍ من النّقط ونحوه , وأمروا بتجريد المصحف من ذلك , فعن ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه أنّه قال: جرّدوا المصحف ولا تخلطوه بشيء , وكره النّخعيّ نقط المصاحف , وكره ابن سيرين النّقط والفواتح والخواتم .

وكان المصحف العثماني خاليًا من النّقط حتّى إنّ الباء والتّاء والثاء مثلًا كانت بصورة واحدةٍ لا تتميّز في الكتابة , وإنّما يعرفها القارئ بالمعنى .

والنّقط كان أوّلًا لبيان إعراب الحروف , أي حركاتها , وهو الّذي عمله أبو الأسود الدؤليّ , ثمّ استعملت علامات الشّكل الّتي اخترعها الخليل بن أحمد , واستخدم النّقط لتمييز الحروف المتشابهة بعضها عن بعضٍ كالباء والتّاء والثّاء .

وورد عن بعض التّابعين وتابعيهم التّرخيص في ذلك , قال ربيعة بن أبي عبد الرّحمن: لا بأس بشكله ، وقال مالك: لا بأس بالنّقط في المصاحف الّتي تتعلّم فيها العلماء , أمّا الأمّهات فلا .

وقال ابن مجاهدٍ والدّانيّ: لا يُشْكَل إلا ما يُشْكِل .

وقال النّووي: نقط المصحف وشكله مستحب لأنّه صيانة له من اللّحن والتّحريف , قال: وأمّا كراهة الشّعبيّ والنّخعيّ النّقط فإنّما كرهاه في ذلك الزّمان خوفًا من التّغيير فيه , وقد أمن من ذلك اليوم فلا منع .

وعلى هذا استقرّ العمل منذ أمدٍ طويلٍ في المصاحف , وأمّا في غيرها فالعمل على قول ابن مجاهدٍ والدّانيّ .

التّعشير والتّحزيب والعلامات الأخرى في المصاحف:

20 -التّعشير: أن يجعل علامةً عند انتهاء كلّ عشر آياتٍ , والتّخميس: أن يجعل علامةً عند انتهاء كلّ خمسٍ , والتّحزيب أن يجعل علامةً عند مبتدأ كلّ حزبٍ .

ومن أوّل العلامات الّتي أدخلت في المصاحف جعل ثلاث نقاطٍ عند رءوس الآي , قال يحيى ابن كثيرٍ: ما كانوا يعرفون شيئًا ممّا أحدث في المصاحف إلا النقط الثّلاث عند رءوس الآي , وقال غيره: أوّل ما أحدثوا النقط عند آخر الآي , ثمّ الفواتح والخواتم , أي فواتح السور وخواتمها , وقد أنكره بعض السّلف ( انظر: تعشير ف 3 ) , ورخّص فيه غيرهم واستقرّ العمل على إدخال تلك العلامات لنفعها لقرّاء القرآن , وأدخلت أيضًا علامات السّجدات والوقوف وأسماء السور وعدد الأجزاء وعدد الآيات وغير ذلك , لكن بوضع يميّزها عمّا هو كلام اللّه تعالى .

أخذ الأجر على كتابة المصحف:

21 -اختلف النّقل عن السّلف في أخذ الأجرة على كتابة المصحف , فقد أخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما أنّه كره أخذ الأجرة على كتابة المصاحف , ومثله عن أيوب السّختيانيّ ومحمّد بن سيرين .

وأخرج عن سعيد بن جبيرٍ وابن المسيّب والحسن أنّهم قالوا: لا بأس بذلك .

وإلى هذا الأخير ذهب الحنفيّة , ففي الفتاوى الهنديّة: لو استأجر رجلًا ليكتب له مصحفًا وبيّن الخطّ جاز .

تحلية المصاحف:

22 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى جواز تحلية المصاحف بالذّهب والفضّة سواء كانت للرّجال أو النّساء لما في ذلك من تعظيم القرآن , لكن قال المالكيّة: إنّ الّذي يجوز تحليته جلده من خارجٍ لا كتابته بالذّهب , وأجازه بعضهم , وأجازوا أيضًا كتابته في الحرير وتحليته به .

وذهب الشّافعيّة في المعتمد عندهم إلى جواز تحلية المصحف بالفضّة مطلقًا , وبالذّهب للنّساء والصّبيان , وتحريمه بالذّهب في مصاحف الرّجال .

وذهب الحنابلة إلى كراهة تحليته بشيء من النّقدين , وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة . وذهب الشّافعيّة في قولٍ إلى تحريم تحلية القرآن بالذّهب , وقال ابن الزّاغونيّ من الحنابلة: يحرم سواء حلاه بذهب أو فضّةٍ .

بيع المصحف وشراؤه:

23 -اختلف العلماء سلفًا وخلفًا في بيع المصاحف وشرائها , فذهب البعض إلى كراهة بيعها وشرائها تعظيمًا لها وتكريمًا , لما في تداولها بالبيع والشّراء من الابتذال , وهو قول المالكيّة وقول للشّافعيّة , ورويت كراهية بيعها عن ابن عمر وابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهم وسعيد بن جبيرٍ وإسحاق والنّخعيّ , قال ابن عمر: وددت أنّ الأيدي تقطع في بيعها , وورد عن عبد اللّه بن شقيقٍ أنّه قال: كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشدّدون في بيع المصاحف .

وذهب بعض السّلف إلى إجازة بيعها , منهم محمّد بن الحنفيّة , والحسن , وعكرمة , والشّعبي , لأنّ البيع يقع على الورق والجلد وبدل عمل يد الكاتب , وبيع ذلك مباح , قال الشّعبي: لا بأس ببيع المصحف , إنّما يبيع الورق وعمل يديه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت