فهرس الكتاب

الصفحة 1756 من 2053

14 -يكره عند المالكيّة والحنابلة جعل المصحف في قبلة المصلّي لأنّه يلهيه , قال أحمد: كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئًا حتّى المصحف , لكنّ المكروه عند المالكيّة تعمد جعله في القبلة ليصلّي إليه , ولا يكره إن لم يتعمّده , كما لو كان ذاك موضعه الّذي يعلّق فيه عادةً .

ولا يكره ذلك عند الحنفيّة إن لم يكن جعله ليقرأ منه , قالوا: لأنّ الكراهة فيما يكره استقباله في الصّلاة باعتبار التّشبه بعبادها , والمصحف لم يعبده أحد , واستقبال أهل الكتاب مصاحفهم للقراءة منها لا لعبادتها , ومن هنا كره أبو حنيفة القراءة في الصّلاة من المصحف .

القراءة من المصحف في الصّلاة وغيرها:

15 -ذهب أبو حنيفة إلى أنّه ليس للمصلّي أن يقرأ من المصحف , فإن قرأ بالنّظر في المصحف فسدت صلاته مطلقًا , أي قليلًا كان ما قرأه أو كثيرًا , إمامًا كان أو منفردًا , وكذا لو كان ممّن لا يمكنه القراءة إلا منه لكونه غير حافظٍ .

وقد اختلف الحنفيّة في تعليل قوله , فقيل: لأنّ حمل المصحف والنّظر فيه وتقليب الأوراق عمل كثير , وقيل: لأنّه تلقّن من المصحف , فصار كما إذا تلقّن من غيره , وصحّح هذا الوجه في الكافي تبعًا لتصحيح السّرخسيّ , وعليه فلو لم يكن قادرًا على القراءة إلا من المصحف فصلّى بلا قراءةٍ فإنّها تجزئه .

وذهب الصّاحبان إلى تجويز القراءة للمصلّي من المصحف مع الكراهة لما في ذلك من التّشبه بأهل الكتاب .

وذهب المالكيّة إلى أنّه يكره للمصلّي القراءة من المصحف في فرضٍ أو نفلٍ لكثرة الشّغل بذلك , لكنّ كراهته عندهم في النّفل إن قرأ في أثنائه , ولا يكره إن قرأ في أوّله , لأنّه يغتفر في النّفل ما لا يغتفر في الفرض , قال ابن قدامة: ورويت الكراهية في ذلك عن ابن المسيّب والحسن ومجاهدٍ والرّبيع .

وأجاز الحنابلة القراءة في المصحف في قيام رمضان إن لم يكن حافظًا , لما ورد عن عائشة رضي اللّه عنها في مولىً لها اسمه ذكوان كان يؤمها من المصحف , ويكره في الفرض على الإطلاق , لأنّ العادة أنّه لا يحتاج إليه فيه , ويكره للحافظ حتّى في قيام رمضان , لأنّه يشغل عن الخشوع وعن النّظر إلى موضع السجود .

وذهب الشّافعيّة إلى أنّ المصلّي لو قرأ في مصحفٍ ولو قلّب أوراقه أحيانًا لم تبطل صلاته , لأنّ ذلك يسير أو غير متوالٍ لا يشعر بالإعراض .

أمّا في غير الصّلاة فإنّ القراءة من المصحف مستحبّة لاشتغال البصر بالعبادة , وقد ذهب بعض الفقهاء إلى تفضيل القراءة من المصحف على القراءة عن ظهر قلبٍ , لأنّه يجمع مع القراءة النّظر في المصحف , وهو عبادة أخرى , لكن قال النّووي: إن زاد خشوعه وحضور قلبه في القراءة عن ظهر قلبٍ فهو أفضل في حقّه .

اتّباع رسم المصحف الإمام:

16 -ذهب جمهور فقهاء الأمّة إلى وجوب الاقتداء في رسم المصاحف برسم مصحف عثمان رضي اللّه عنه , لكونه قد أجمع الصّحابة عليه .

سئل الإمام مالك: أرأيت من استكتب مصحفًا اليوم , أترى أن يكتب على ما أحدث النّاس من الهجاء اليوم ؟ فقال: لا أرى ذلك , ولكن يكتب على الكِتْبَة الأولى , وروي أنّه سئل عن الحروف الّتي تكون في القرآن مثل الواو والألف , أترى أن تغيّر من المصحف إذا وجدت فيه كذلك ؟ فقال: لا , قال الدّانيّ: يعني الواو والألف الزّائدتين في الرّسم المعدومتين في اللّفظ ، قال: ولا مخالف لمالك في ذلك من علماء الأمّة , وقال أحمد: تحرم مخالفة مصحف الإمام في واوٍ أو ياءٍ أو ألفٍ أو غير ذلك .

وقال البيهقيّ في شعب الإيمان: من كتب مصحفًا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الّذي كتبوا به هذه المصاحف ولا يخالفهم فيه , ولا يغيّر ممّا كتبوا شيئًا , فإنّهم كانوا أكثر علمًا وأصدق لسانًا وأعظم أمانةً منّا , فلا ينبغي أن نظنّ بأنفسنا استدراكًا عليهم .

ومن هنا صرّح الحنابلة وغيرهم أنّه لا ينبغي أن يقرأ في الصّلاة بما يخرج عن مصحف عثمان كقراءة ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه وغيرها , لأنّ القرآن ثبت بالتّواتر , وهذه لم يثبت التّواتر بها , فلا يثبت كونها قرآنًا , واختلفوا في صحّة صلاته إذا قرأ بشيء منها ممّا صحّت به الرّواية , كبعض ما روي من قراءة ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه .

وصحّح المحقّقون من أئمّة القراءة بأنّ القراءة الصّحيحة لا بدّ أن توافق رسم مصحف عثمان رضي اللّه عنه ولو احتمالًا .

والخلاف في هذه المسألة منقول عن عزّ الدّين بن عبد السّلام فقد نقل عنه الزّركشي قوله: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمّة لئلا يوقع في تغيير الجهّال .

وتعقّبه الزّركشي بقوله: لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه لئلا يؤدّي إلى دروس العلم , وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاةً لجهل الجاهلين , ولن تخلو الأرض من قائمٍ للّه بالحجّة .

ونقل عن أبي بكرٍ الباقلانيّ مثل قول ابن عبد السّلام .

آداب كتابة المصحف:

17 -استحبّ العلماء كتابة المصاحف , وتحسين كتابتها وتجويدها , والتّأنق فيها . واستحبوا تبيين الحروف وإيضاحها وتفخيمها , والتّفريج بين السطور , وتحقيق الخطّ وكان ابن سيرين يكره أن تمدّ الباء من بسم اللّه الرّحمن الرّحيم إلى الميم حتّى تكتب السّين , قال: لأنّ في ذلك نقصًا .

ونقلت: كراهة كتابة المصحف بخطّ دقيقٍ , وتصغير حجم المصحف عن عمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنهما .

ويحرم أن يكتب المصحف بمداد نجسٍ أو في ورقٍ أو شيءٍ نجسٍ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت