أمّا المالكيّة فيرون جواز النّظر من المحرم إلى الذّراعين والشّعر وما فوق النّحر وأطراف القدمين , ففي شرح الزرقانيّ: وعورة الحرّة مع رجلٍ محرمٍ لها نسبًا أو صهرًا أو رضاعًا غير الوجه والأطراف أيّ أطراف الذّراعين والقدمين وما فوق النّحر , وهو شامل لشعر الرّأس والذّراع من المنكب إلى طرف الأصبع الوسطى , فليس له أن يرى ثديها ولا صدرها ولا ساقها بخلاف شعرها , وترى المرأة من المحرم نسبًا أو صهرًا أو رضاعًا مسلمًا أو كافرًا كرجل مع مثله , فترى ما عدا ما بين السرّة والركبة .
وقال المالكيّة أيضًا: لا يجوز ترداد النّظر وإدامته إلى شابّةٍ من محارمه أو غيرهنّ إلا لحاجة أو ضرورةٍ كشهادة ونحوها , ويقيّد أيضًا بغير شهوةٍ وإلا حرم حتّى لبنته وأمّه .
أما الشّافعيّة فيجوز عندهم النّظر إلى جميع البدن - عدا ما بين السرّة والركبة - بشرط أمن الفتنة .
وفي قولٍ آخر للشّافعيّة: أنّه يجوز له النّظر إلى ما يبدو منها عند المهنة فقط , ولا ضرورة إلى النّظر إلى ما زاد على ذلك , ففي شرح منهاج الطّالبين: ولا ينظر من محرمه بين سرّةٍ وركبةٍ , أي يحرم نظر ذلك ويحل نظر ما سواه , قال تعالى: { وَََلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إََِلا لِبُعُولَتِهِنَّ ... } الآية ، والزّينة مفسّرة بما عدا ما بين السرّة والركبة , وقيل: يحل نظر ما يبدو في المهنة , أي الخدمة فقط كالرّأس والعنق والوجه والكفّ والسّاعد وطرف السّاق , إذ لا ضرورة إلى غيره , وسواء فيما ذكر المحرم بالنّسب والمصاهرة والرّضاع . وعند الحنابلة يباح للرّجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبًا كالوجه والرّقبة والرّأس واليدين إلى المرفقين والسّاق .
وفي الإنصاف: وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب .
ويكره عندهم النّظر إلى السّاق والصّدر للتّوقّي لا للتّحريم , قال ابن قدامة: ويجوز للرّجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبًا , كالرّقبة والرّأس والكفّين والقدمين ونحو ذلك , وليس له النّظر إلى ما يستر غالبًا , كالصّدر والظّهر ونحوهما .
قال الأثرم: سألت أبا عبد اللّه عن الرّجل ينظر إلى شعر امرأة أبيه أو امرأة ابنه ؟ فقال: هذا في القرآن: { وَََلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } إلا لكذا وكذا ، قلت: فينظر إلى ساق امرأة أبيه وصدرها ؟ قال: لا ما يعجبني ، ثمّ قال: أنا أكره أن ينظر من أمّه وأخته إلى مثل هذا , وإلى كلّ شيءٍ لشهوة , وقال أبو بكرٍ: كراهية أحمد النّظر إلى ساق أمّه وصدرها على التّوقّي ، لأنّ ذلك يدعو إلى الشّهوة . يعني أنّه يكره ولا يحرم .
ومنع الحسن والشّعبي والضّحّاك النّظر إلى شعر ذوات المحارم .
أمّا نظر المرأة إلى الرّجل ففيه روايتان إحداهما: لها النّظر إلى ما ليس بعورة , والأخرى: لا يجوز لها النّظر من الرّجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها .
مس ذوات المحارم:
9 -ذهب الفقهاء إلى أنّ ما يجوز النّظر إليه من المحرم يجوز مسه إذا أمنت الشّهوة , لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « كان إذا قدم من سفرٍ قبّل ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها » .
هل الكافر أو الذّمّي محرم ؟
10 -لم يشترط الفقهاء في المحرم أن يكون مسلمًا .
إلا أنّ بعض الفقهاء استثنى بعض الأحكام ومنهم الإمام أحمد حيث إنّه يعد الكافر محرمًا في النّظر دون السّفر , قال البهوتيّ: لا تسافر المسلمة مع أبيها الكافر , لأنّه ليس محرمًا لها في السّفر نصًا , وإن كان محرمًا في النّظر , ومقتضاه إلحاق سائر القرابة المحرميّة الكفّار بالأب لوجود العلّة .
واستدلّ الحنابلة بأنّ إثبات المحرميّة يقتضي الخلوة بها , فيجب أن لا تثبت لكافر على مسلمةٍ , كالحضانة للطّفل , ولأنّه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها كالطّفل .
كما استدلوا بأنّ أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك فدخل على ابنته أمّ حبيبة رضي الله عنها فطوت فراش رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لئلا يجلس عليه ولم تحتجب منه , ولا أمرها بذلك النّبي صلى الله عليه وسلم .
واستثنى الحنفيّة المجوسيّ من السّفر مع محرمه , قال الموصلي: المحرم: كل من لا يحل له نكاحها على التّأبيد لقرابة أو رضاعٍ أو صهريّةٍ , والعبد والحر والمسلم والذّمّي سواء , إلا المجوسيّ الّذي يعتقد إباحة نكاحها , والفاسق لأنّه لا يحصل به المقصود .
نظر العبد إلى سيّدته:
11 -للفقهاء في هذه المسألة قولان:
الأوّل: أنّ العبد كالأجنبيّ بالنّسبة لسيّدته , فلا يحل له أن ينظر إليها , لأنّه ليس بمحرم , وبهذا يقول الحنفيّة , وفي قولٍ عند المالكيّة , وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة , وهو رواية عن أحمد .
جاء في المبسوط: والعبد فيما ينظر من سيّدته كالحرّ الأجنبيّ , معناه أنّه لا يحل له أن ينظر إلا إلى وجهها وكفّيها عندنا .
وفي مغني المحتاج: الأصح أنّ نظر العبد إلى سيّدته كالنّظر إلى محرمٍ , والثّاني يحرم نظرهما إلى بعضهما كغيرهما .
وقال ابن قدامة: إنّ العبد ليس محرمًا لسيّدته لأنّه غير مأمونٍ عليها , ولا تحرم عليه على التّأبيد , فهو كالأجنبيّ .
وقد روي عن نافعٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « سفر المرأة مع خادمها ضيعة » .
القول الثّاني: إنّ عبد المرأة كالمحرم لها , فيجوز أن ينظر إلى وجهها وكفّيها , وهذا عند الحنابلة , وهو قول عند المالكيّة , وهو الأصح عند الشّافعيّة , يقول المرداوي: الصّحيح من المذهب أنّ للعبد النّظر من مولاته إلى ما ينظر إليه الرّجل من ذوات محارمه .