أمّا أنّ الرّحال لا تشد لغيرها من المساجد فلأنّ غيرها من المساجد ليس في معناها , إذ هي متماثلة , ولا بلد إلّا وفيه مسجد ولا معنى للرّحلة إلى مسجد آخر , وعلى هذا وكما قال العلماء لو عيّن مسجدًا غير المساجد الثّلاثة لأداء فريضة أو نافلة لم يتعيّن عليه ذلك , لأنّه لم يثبت لبعضها فضل على بعض , فلم يتعيّن لأجل ذلك منها ما عيّنه وهو المشهور عند الشّافعيّة .
كما تفضل هذه المساجد الثّلاثة بزيادة ثواب الصّلاة فيها عنه في غيرها وإن كانت تتفاضل في هذا الثّواب فيما بينها .
فعن أبي الدّرداء رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: « فضل الصّلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة وفي مسجدي ألف صلاة وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة » .
قال الزّركشي: إنّ هذه المضاعفة في المسجدين لا تختص بالفريضة , بل تعم النّفل والفرض كما قال النّوويّ في شرح مسلم: إنّه المذهب , قلت: وهو لازم للأصحاب من استثنائهم النّفل بمكّة من الوقت المكروه لأجل زيادة الفضيلة .
وقال الطّحاويّ من الحنفيّة في شرح الآثار: وهو مختصٌّ بالفرض وأنّ فعل النّوافل في البيت أفضل من المسجد الحرام , وكذلك ذكره ابن أبي زيد من المالكيّة , وقال ابن أبي الصّيف اليمنيّ: هذا التّضعيف في الصّلوات يحتمل أن يعمّ الفرض والنّفل , وهو ظاهر الأخبار , ويحتمل أن يختصّ به الفرض دون النّفل , لأنّ النّفل دونه .
والمسجد الحرام هو أوّل مسجد وضع للنّاس في الأرض للتّعبد فيه , قال تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } , ولذلك كان أفضل المساجد , فهو قبلة المصلّين وكعبة الزّائرين وفيه الأمن والأمان .
وعن أبي ذر رضي اللّه عنه قال: « قلت يا رسول اللّه أي مسجد وضع في الأرض أوّل قال المسجد الحرام قلت ثمّ أي قال المسجد الأقصى قلت كم كان بينهما قال أربعون سنةً ثمّ أينما أدركتك الصّلاة بعد فصلّه فإنّ الفضل فيه » .
وأمّا مسجد المدينة فقال الزّركشي: أنشأ أصله سيّد المرسلين والمهاجرون الأوّلون والأنصار المتقدّمون خيار هذه الأمّة , وفي ذلك من مزيد الشّرف على غيره ما لا يخفى , واشتمالها على بقعة هي أفضل بقاع الأرض بالإجماع , وهو الموضع الّذي ضمّ أعضاء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم , حكى الإجماع القاضي عياض وغيره , وفي ذلك قال: بعضهم - وهو أبو محمّد بن عبد اللّه البسكريّ المغربي -:
جزم الجميع بأنّ خير الأرض ما قد حاط ذات المصطفى وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت كالنّفس حين زكت زكا مأواها
ولذا ندب الشّارع إلى زيارته والصّلاة فيه وللمسجد الأقصى قداسته وعراقته وله مكانته في الإسلام حيث كان قبلة المسلمين في فترة من الزّمان , وكان إليه مسرى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به من المسجد الحرام إليه , قال تعالى: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .
فهذه الآية تعظّم قدره بإسراء سيّدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليه من المسجد الحرام بمكّة , وصلاته فيه بالأنبياء إمامًا قبل عروجه إلى السّماء وبعد أن صلّى فيه ركعتين, هذا إلى إخبار اللّه تعالى بالبركة حوله , إمّا بأن جعل حوله من الأنبياء المصطفين الأخيار , وإمّا بكثرة الثّمار ومجاري الأنهار , فعن أنس بن مالكٍ رضي اللّه عنه قال: « إنّ الجنّة تحن شوقًا إلى بيت المقدس وصخرة بيت المقدس من جنّة الفردوس وهي صرّة الأرض » .
آداب الدخول إلى المساجد الثّلاثة وغيرها:
7 -إذا عاين داخل المسجد الحرام البيت ووقع بصره عليه رفع يديه وقال: اللّهمّ زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً وزد من شرفه وكرمه وعظمه ممّن حجّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا .
وعن عطاء أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول إذا لقي البيت: « أعوذ بربّ البيت من الدّين والفقر وضيق الصّدر وعذاب القبر » ، ويرفع يديه ويقول: « اللّهمّ أنت السّلام ومنك السّلام فحيّنا ربّنا بالسّلام » .
ومن السنّة أن يبدأ حين دخوله بتقديم الرّجل اليمنى وليس ذلك بالنّسبة للمسجد الحرام فقط, بل بالنّسبة للمساجد كلّها .
ويستحب أن يقول:"اللّهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك", ويقول كذلك: اللّهمّ أنت ربّي وأنا عبدك جئت لأؤدّي فرضك وأطلب رحمتك وألتمس رضاك , متبعًا لأمرك راضيًا بقضائك , أسألك مسألة المضطرّين المشفقين من عذابك أن تستقبلني اليوم بعفوك تحفظني برحمتك وتتجاوز عنّي بمغفرتك وتعينني على أداء فرائضك , اللّهمّ افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني فيها وأعذني من الشّيطان الرّجيم .
وله أن يدعو بكلّ لفظ فيه التّضرع والخشوع .
ويستحب له أن يدخل المسجد من باب بني شيبة المعروف الآن بباب السّلام إذ منه « دخل عليه الصّلاة والسّلام » , هذا ما انعقد إجماع الأئمّة عليه .