وقال الحنابلة: وإن لبس خفًا فلم يحدث حتّى لبس عليه آخر وكان الخفّان صحيحين مسح أيّهما شاء , إن شاء مسح الفوقانيّ لأنّه خف ساتر ثبت بنفسه , أشبه المنفرد , وإن شاء مسح التّحتانيّ , بأن يدخل يده من تحت الفوقانيّ فيمسح عليه لأنّ كلّ واحد منهما محل للمسح فجاز المسح عليه , ولو لبس أحد الجرموقين في أحد الرّجلين فوق خفّها دون الرّجل الأخرى فلم يلبس فيها جوربًا بل الخفّ فقط جاز المسح على الجورب الّذي لبسه فوق الخفّ وعلى الخفّ الّذي في الرّجل الأخرى لأنّ الحكم تعلّق به وبالخفّ الّذي في الرّجل الأخرى , فهو كما لو لم يكن تحته شيء , فإن كان أحد الخفّين صحيحًا والآخر مفتّقًا جاز المسح على الفوقانيّ لأنّهما كخفّ واحد , وكذا إن لبس على صحيح مخرّقًا نصّ عليه , ولا يجوز المسح على الخفّ التّحتانيّ إذا كان أحد الخفّين صحيحًا والآخر مفتّقًا إلّا أن يكون التّحتاني هو الصّحيح فيصح المسح عليه , لأنّه ساتر بنفسه أشبه ما لو انفرد , بخلاف ما إذا كان الفوقاني هو الصّحيح فلا يصح المسح على التّحتانيّ , لأنّه غير ساتر بنفسه , قال في الإنصاف: وكل من الخفّ الفوقانيّ والتّحتانيّ بدل مستقل من الغسل على الصّحيح , وإن كان الخفّان مخرّقين وليس أحدهما فوق الآخر وسترا محلّ الفرض لم يجز المسح عليهما ولا على أحدهما , لأنّ كلّ واحد منهما غير صالح للمسح على انفراده , كما لو لبس مخرّقًا فوق لفافة وإن نزع الفوقانيّ قبل مسحه لم يؤثّر كما لو انفرد , وإن توضّأ ولبس خفًا ثمّ أحدث ثمّ لبس الخفّ الآخر لم يجز المسح عليه , لأنّه لبسه على غير طهارة , بل يمسح على الأسفل أو مسح الخفّ الأوّل بعد حدثه ثمّ لبس الخفّ الثّاني ولو على طهارة لم يجز المسح على الثّاني , لأنّ الخفّ الممسوح بدل عن غسل ما تحته , والبدل لا يجوز له بدل آخر , بل يمسح على الأسفل لأنّ الرخصة تعلّقت به , وإن لبس خفًا على آخر قبل الحدث ومسح الأعلى , ثمّ نزع الممسوح الأعلى لزمه نزع التّحتانيّ وإعادة الوضوء , لأنّه محل المسح , ونزعه كنزعهما , والرخصة تعلّقت بهما , فصار كانكشاف القدم .
د - أن يكون لبس الخفّ مباحًا: وهذا الشّرط عند المالكيّة والحنابلة ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة , فهم لا يجوّزون المسح على الخفّ المغصوب أو المسروق أو المتّخذ من جلد الخنزير أو الحرير , ولو كان لبس المحرّم لضرورة البرد والثّلج كما يرى ذلك الحنابلة , وعند الحنفيّة والشّافعيّة في الأصحّ يجوز المسح على الخفّ ولو لم يكن مباحًا , ولا يجوز عند الحنابلة المسح للمحرم بحجّ أو عمرة لأنّه منهي عن لبس المخيط .
هـ - أن لا يكون شفّافًا تظهر القدم من خلاله على تفصيل بين الفقهاء في ذلك على النّحو التّالي .
يشترط الحنفيّة في الخفّ أن يكون مانعًا من وصول الماء إلى القدم سواء أكان رقيقًا أم سميكًا , لأنّ الأصل عدم وصول الماء .
ويرى المالكيّة أنّه لا بدّ أن يكون الخف من جلد كما سبق .
ويرى الحنابلة أنّه يشترط في الخفّ أن لا يصف البشرة لصفائه أو خفّته .
و - أن يبقى من محلّ الغسل في الوضوء من القدم شيء .
قال الحنابلة: من له رجل واحدة لم يبق من فرض الرّجل الأخرى شيء فلبس ما يصح المسح عليه في الباقية جاز له المسح عليه لأنّه ساتر لفرضه .
قال البهوتي: وعلم منه أنّه لو لبس خفًا في إحدى رجليه مع بقاء الأخرى أو بعضها وأراد المسح عليه وغسل الأخرى أو ما بقي منها لم يجز له ذلك , بل يجب غسل ما في الخفّ تبعًا للّتي غسلها ; لئلّا يجمع بين البدل والمبدل في محل واحد .
كيفيّة المسح على الخفّين ومقداره:
10 -يرى الحنفيّة أنّ الواجب المسح بقدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد على ظاهر الخفّ فقط مرّةً واحدةً .
وكيفيّته أن يبدأ بالمسح على الخفّين من أصابع القدم خطوطًا إلى جهة السّاق , فيضع أصابع يده اليمنى على مقدّم خفّ رجله اليمنى , ويضع أصابع يده اليسرى على مقدّم خفّ رجله اليسرى , ويفرّج بين أصابع يده قليلًا , بحيث يعم المسح أكبر قدر ممكن من الخفّ , ولذلك لا يصح المسح على باطن القدم ولا على جوانبه ولا على عقبه ولا ساقه , كما لا يسن تكرار المسح .
ويرى المالكيّة وجوب مسح جميع ظاهر الخفّ , كما يستحب مسح أسفله أيضًا , فيضع أصابع يده اليمنى فوق أطراف أصابع رجله اليمنى ويضع أصابع يده اليسرى تحت أصابع رجله اليمنى , ويمر بكلتا يديه على خفّ رجله اليمنى باتّجاه الكعبين , ويضع أصابع يده اليسرى فوق أطراف رجله اليسرى ويده اليمنى تحت أصابعها , ويمر بكلتا يديه على خفّ رجله اليسرى باتّجاه الكعبين كذلك , فيكون قد مسح جميع الخفّ ظاهره وباطنه .
ويرى الشّافعيّة أنّ المسح الواجب هو ما يصدق عليه مسمّى مسح في محلّ الفرض , وهو مسح ظاهر الخفّ , فلا يمسح أسفله ولا عقبه ولا جوانبه , لإطلاق المسح بدون تقدير , فيكتفى بما يطلق عليه اسم المسح , إلّا أنّ السنّة أن يعمّم المسح على ظاهر وباطن الخفّ خطوطًا , كالمالكيّة .
ويرى الحنابلة أنّ الواجب في مسح الخفّ هو مسح أكثر مقدّم ظاهر الخفّ خطوطًا بالأصابع, ولا يسن مسح أكثر من ذلك من باطن الخفّ أو جوانبه أو عقبه أو ساقه , لأنّ لفظ المسح ورد مطلقًا في الأحاديث وفسّره النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بفعله في حديث المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه قال: « توضّأ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومسح على الخفّين فوضع يده اليمنى على خفّه الأيمن ووضع يده اليسرى على خفّه الأيسر ثمّ مسح أعلاهما مسحةً واحدةً حتّى كأنّي انظر إلى أثر أصابعه على الخفّين » .
نواقض المسح على الخفّين: