13 -ذهب الحنفيّة إلى أنّ البيع والكنائس القديمة في السّواد والقرى لا يتعرّض لها ولا يهدم شيء منها , قال الكمال بن الهمام: إنّ البيع والكنائس في السّواد لا تهدم على الرّوايات كلّها , وأمّا في الأمصار فاختلف كلام محمّدٍ , فذكر في العشر والخراج: تهدم القديمة , وذكر في الإجارة: لا تهدم ، وعمل النّاس على هذا , فإنّا رأينا كثيرًا منها توالت عليها أئمّة وأزمان وهي باقية لم يأمر إمام بهدمها , فكان متوارثًا من عهد الصّحابة رضي اللّه تعالى عنهم .
وعلى هذا لو مصّرنا برّيّةً فيها دير أو كنيسة فوقع داخل السور ينبغي أن لا يهدم , لأنّه كان مستحقًا للأمان قبل وضع السور , فيحمل ما في جوف القاهرة من الكنائس على ذلك لأنّها كانت فضاءً فأدار العبيديون عليها السور , ثمّ فيها الآن كنائس , ويبعد من إمام تمكين الكفّار من إحداثها جهارًا في جوف المدن الإسلاميّة , فالظّاهر أنّها كانت في الضّواحي , فأدير السور عليها فأحاط بها , وعلى هذا فالكنائس الموضوعة الآن في دار الإسلام - غير جزيرة العرب - كلها ينبغي أن لا تهدم , لأنّها إن كانت في أمصارٍ قديمةٍ , فلا شكّ أنّ الصّحابة أو التّابعين حين فتحوا المدينة علموا بها وأبقوها , وبعد ذلك ينظر فإن كانت البلدة فتحت عنوةً حكمنا بأنّها بقوها مساكن لا معابد فلا تهدم , ولكن يمنعون من الاجتماع فيها للتّقرب , وإن عرف أنّها فتحت صلحًا حكمنا بأنّهم أقروها معابد فلا يمنعون من الاجتماع فيها بل من الإظهار .
وقال المالكيّة: إنّ الكنائس القديمة تترك لأهل الذّمّة فيما اختطّه المسلمون فسكنوه معهم , وقال عبد الملك: لا يجوز الإحداث مطلقًا ولا يترك لهم كنيسةً .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الّذي يوجد في البلاد الّتي أحدثها المسلمون من البيع والكنائس وبيوت النّار وجهل أصله لا ينقض لاحتمال أنّها كانت قريةً أو بريّةً فاتّصل بها عمران ما أحدث منّا , بخلاف ما لو علم إحداث شيءٍ منها بعد بنائها فإنّه يلزمنا هدمه إذا بني للتّعبد , وإن بني لنزول المارّة: فإن كان لعموم النّاس جاز , وكذلك إذا كان لأهل الذّمّة فقط كما جزم به ابن الصّبّاغ .
وقال الحنابلة: الكنائس الّتي في البلاد الّتي مصّرها المسلمون وأحدثت بعد تمصير المسلمين لها تزال , وما كان موجودًا بفلاة من الأرض ثمّ مصر المسلمون حولها المصر فهذه لا تزال .
ب - المعابد القديمة فيما فتح عنوةً:
14 -ذهب المالكيّة وهو وجه عند الحنابلة وقول للشّافعيّة في مقابل الأصحّ إلى أنّ المعابد القديمة فيما فتح عنوةً لا يجب هدمه .
وذهب الشّافعيّة في الأصحّ وهو وجه عند الحنابلة إلى أنّه يجب هدمه .
وقال الحنفيّة: لا تهدم ولكن تبقى بأيديهم مساكن , ويمنعون من الاجتماع فيها للتّقرب .
ج - المعابد القديمة فيما فتح صلحًا:
15 -الأراضي المفتوحة صلحًا ثلاثة أنواعٍ:
النّوع الأوّل: أن يصالحهم الإمام على أن تكون الأرض لنا فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح .
النّوع الثّاني: أن يصالحهم الإمام على أن تكون الأرض لهم ويؤدوا عنها خراجًا , فهذا ممّا لا يتعرّض للمعابد القديمة فيها دون خلافٍ .
النّوع الثّالث: أن يقع الصلح مطلقًا: فذهب الشّافعيّة في مقابل الأصحّ , والحنابلة , وهو المفهوم من كلام الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه لا يتعرّض للقديمة وهذا لحاجتهم إليها في عبادتهم كما علّله الشّافعيّة .
وذهب الشّافعيّة في الأصحّ إلى أنّها لا تبقى , لأنّ إطلاق اللّفظ يقتضي ضرورة جميع البلد لنا .
إعادة المنهدم:
16 -ذهب الحنفيّة والشّافعيّة على الأصحّ وهو رواية عن أحمد إلى أنّه إذا انهدمت الكنيسة - الّتي أقرّ أهلها عليها - فللذّمّيّين إعادتها , لأنّ الأبنية لا تبقى دائمًا , ولمّا أقرّهم الإمام على إبقائها قبل الظهور عليهم وصالحهم عليه فقد عهد إليهم الإعادة , ولأنّ ذلك ليس بإحداث , والمراد بالإعادة أن تكون من غير زيادةٍ على البناء الأوّل كما نصّ عليه الحنفيّة أي: لا يبنون ما كان باللّبن بالآجرّ , ولا ما كان بالآجرّ بالحجر ولا ما كان بالجريد وخشب النّخل بالنّقى والسّاج , ولا بياضًا لم يكن .
قالوا: وللإمام أن يخرّبها إذا وقف على بيعةٍ جديدةٍ , أو بني منها فوق ما كان في القديم , وكذا ما زاد في عمارتها العتيقة .
وإذا جاز لهم إعادة بنائها فإنّ لهم ذلك من غير توسيعٍ على خطّتها , كما نصّ عليه الشّافعيّة في الصّحيح من المذهب , لأنّ الزّيادة في حكم كنيسةٍ محدثةٍ متّصلةٍ بالأولى , وقيل: المراد بالإعادة الإعادة لما تهدّم منها لا بآلات جديدةٍ , والمراد بالمهدم كما ذكره ابن عابدين نقلًا عن الأشباه: ما انهدم , وليس ما هدمه الإمام , لأنّ في إعادتها بعد هدم المسلمين استخفافًا بهم وبالإسلام , وإخمادًا لهم وكسرًا لشوكتهم , ونصرًا للكفر وأهله , ولأنّ فيه افتياتًا على الإمام فيلزم فاعله التّعزير , وبخلاف ما إذا هدموها بأنفسهم فإنّها تعاد .
وذهب الحنابلة , والإصطخري وابن أبي هريرة من الشّافعيّة إلى أنّه ليس لهم ذلك , وعلّله الحنابلة فقالوا: لأنّه كبناء كنيسةٍ في دار الإسلام .
ترميم المعابد:
17 -ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض المالكيّة إلى أنّه لا يمنع أهل الذّمّة من رمّ ما تشعّث من الكنائس والبيع ونحوها الّتي أقرّ أهلها عليها وإصلاحها , لأنّ المنع من ذلك يفضي إلى خرابها وذهابها , فجرى مجرى هدمها .