فهرس الكتاب

الصفحة 1840 من 2053

5 -يرى جمهور الفقهاء"أبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة": أنّه لا يشترط ملاءة المضمون عنه , ولذلك يصح ضمان كلّ من وجب عليه حق , سواء كان المضمون عنه حيًّا أو ميّتًا , وسواء كان مليئًا أو مفلسًا , والدّليل على ذلك: ما رواه سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: « كنّا جلوسًا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ أُتي بجنازة , فقالوا: صلِّ عليها . فقال: هل عليه دين ؟ قالوا: لا , قال: فهل ترك شيئًا ؟ قالوا: لا , فصلّى عليه . ثمّ أتي بجنازة أخرى , فقالوا: يا رسول اللّه صلّ عليها . قال: هل عليه دين ؟ قيل: نعم , قال: فهل ترك شيئًا ؟ قالوا: ثلاثة دنانير . فصلّى عليها . ثمّ أتي بالثّالثة فقالوا: صلّ عليها . قال: هل ترك شيئًا ؟ قالوا: لا . قال: فهل عليه دين ؟ قالوا: ثلاثة دنانير . قال: صلوا على صاحبكم . قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول اللّه وعليّ دينه , فصلّى عليه » فدلّ الحديث على أنّه يصح ضمان المدين الّذي لم يخلّف وفاءً . وعلّل أبو يوسف ومحمّد صحّة الكفالة بالدّين عن الميّت المفلس بأنّ الموت لا ينافي بقاء الدّين لأنّه مال حكميّ , فلا يفتقر بقاؤه إلى القدرة على الوفاء , ولهذا بقي إذا مات مليئًا حتّى تصحّ الكفالة به , وكذا بقيت الكفالة بعد موته مفلسًا .

وبنى الشّافعيّة قولهم على أنّه لا يشترط معرفة المضمون عنه - وهو المدين - لأنّ قضاء دين الغير بغير إذنه جائز فالتزامه أولى , كما يصح الضّمان عن الميّت وإن لم يخلّف وفاءً . وذهب أبو حنيفة - وهو قول أبي ثور - إلى أنّه يشترط في المكفول له أن يكون مليئًا , حتّى يكون قادرًا على تسليم المكفول به إمّا بنفسه أو بنائبه , ولذلك لا يصح عنده الكفالة بالدّين عن الميّت المفلس , لأنّ الدّين عبارة عن الفعل والميّت عاجزٌ عن الفعل , فكانت هذه كفالةً بدين ساقط كما إذا كفل على إنسان بدين ولا دين عليه , وإذا مات مليئًا فهو قادر بنائبه .

د - أثر الملاءة في أداء الدّين:

6 -من كان عليه دين حال وكان مليئًا مقرًا بدينه أو عليه بيّنة وجب عليه أداء الدّين حين طلبه , لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « مَطْلُ الغنيّ ظُلْمٌ » , وبالطّلب يتحقّق المطل , إذ لا يقال: مطله إلّا إذا طالبه فدافعه .

وذهب بعض فقهاء الشّافعيّة إلى أنّ أداء الدّين للقادر على الأداء لا يتوقّف على الطّلب . جاء في حاشية الجمل: يجب على الغنيّ أداء الدّين فورًا إن خاف فوت أدائه إلى المستحقّ إمّا بموته أو مرضه أو بذهاب ماله , أو خاف موت المستحقّ , أو طالبه رب الدّين , أو علم حاجته إليه وإن لم يطالبه , ذكر ذلك البارزي .

7 -وإذا أمره الحاكم بالأداء فطلب إمهاله لبيع عروضه ليوفي دينه من ثمنها أمهل باجتهاد الحاكم , لكن لا يؤجّل إلّا إذا أعطى حميلًا بالمال , وهذا ما ذهب إليه المالكيّة .

وقال الحنابلة: إن كان للمدين القادر على الوفاء سلعة , فطلب من ربّ الحقّ أن يمهله حتّى يبيعها ويوفيه الدّين من ثمنها أمهل بقدر ذلك , أي بقدر ما يتمكّن من بيعها والوفاء من ثمنها .

وكذا إن طولب بمسجد أو سوق وماله بداره أو مودع أو ببلد آخر فيمهل بقدر ما يحضره فيه .

وكذلك إن أمكن المدين أن يحتال لوفاء دينه باقتراض ونحوه فيمهل بقدر ذلك , ولا يحبس لعدم امتناعه من الأداء لقوله تعالى: { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } .

وإن خاف رب الحقّ هربه احتاط بملازمته أو بكفيل , ولا يجوز منعه من الوفاء بحبسه , لأنّ الحبس عقوبة لا حاجة إليها .

وقال الحنابلة أيضًا: لو ماطل المدين حتّى شكاه رب الحقّ فما غرمه في شكواه فعلى المدين المماطل إذا كان رب الحقّ قد غرّمه على الوجه المعتاد , لأنّه تسبّب في غرمه بغير حق .

8 -وإذا امتنع المدين المليء من أداء الدّين بعد الطّلب وبعد إعطائه المهلة لبيع عروضه أو غير ذلك كما سبق بيانه , أو لم يأت بحميل بالمال كما يقول المالكيّة , فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ الحاكم يحبسه , لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « مَطْلُ الغنيّ ظُلْمٌ » , فيحبس دفعًا للظلم لقضاء الدّين بواسطة الحبس , ولقوله صلى الله عليه وسلم:

« لَيُ الواجد يُحِل عِرْضه وعقوبته » . والحبس عقوبة كما قال الكاساني وابن قدامة .

لكنّ الحنفيّة قالوا: إنّ الحبس لا يكون إلّا بطلب ربّ الدّين من القاضي , فما لم يطلب رب الدّين حبس المدين المماطل لا يحبس لأنّ الدّين حقه , والحبس وسيلة إلى حقّه , ووسيلة حقّ الإنسان هي حقه , وحق المرء إنّما يطلب بطلبه , فلا بدّ من الطّلب للحبس , فإذا طلب رب الدّين حبس المدين - وثبت عند القاضي سبب وجوب الدّين وشرائطه بالحجّة - حبسه لتحقق الظلم عنده بتأخير حقّ الدّين من غير ضرورة , والقاضي نصب لدفع الظلم فيندفع الظلم عنه .

9 -ويشترط لحبس المليء المماطل أن يكون ممّن سوى الوالدين لصاحب الدّين فلا يحبس الوالدون وإن علوا بدين المولودين وإن سفلوا , لقول اللّه تعالى: { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } , وقوله تعالى: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } , وليس من المصاحبة بالمعروف والإحسان حبسهما بالدّين , إلّا أنّه إذا امتنع الوالد من الإنفاق على ولده الّذي عليه نفقته فإنّ القاضي يحبسه , لكن تعزيزًا لا حبسًا بالدّين .

وأمّا الولد فيحبس بدين الوالد , لأنّ المانع من الحبس حق الوالدين .

وكذا سائر الأقارب , يحبس المديون بدين قريبه كائنًا من كان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت