ويستوي في الحبس الرّجل والمرأة , لأنّ الموجب للحبس لا يختلف بالذكورة والأنوثة . ويحبس ولي الصّغير إذا كان ممّن يجوز له قضاء دينه , لأنّه إذا كان الظلم بسبيل من قضاء دينه صار بالتّأخير ظالمًا , فيحبس ليقضي الدّين فيندفع الظلم .
لكن عند المالكيّة يحبس الجد بدين ولد ولده , لأنّ حقّه دون حقّ الأب .
10 -وإذا حبس الحاكم المدين وأصرّ على الامتناع عن الوفاء فقد اختلف الفقهاء فيما يفعله الحاكم به .
قال الحنفيّة: إذا قامت البيّنة على يساره أبّد الحاكم حبسه لظلمه .
وقال المالكيّة: يضرب معلوم الملاء مرّةً بعد مرّة باجتهاد الحاكم في العدد بمجلس أو مجالس , ولو أدّى إلى إتلافه لظلمه باللّدد دون أن يقصد الحاكم إتلافه , أما لو ضربه قاصدًا إتلافه فإنّه يقتص منه , قالوا: ولا يبيع ماله .
وقال الشّافعيّة: إن امتنع الموسر من أداء الدّين أمره الحاكم به , فإن امتنع من الأداء وكان له مال ظاهر - وهو من جنس الدّين - وفَّى منه , وإن كان من غير جنس الدّين باع الحاكم عليه ماله - وإن كان المال في غير محلّ ولايته كما صرّح به القاضي والقمولي - أو أكرهه على البيع بالتّعزير بحبس أو غيره , لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنّه قال:"إنّ الأُسَيْفعَ أُسيْفع جهينة رَضِيَ من دِينه وأمانته أن يقال: سبق الحاجّ , إلّا أنّه قد دان مُعْرِضًا , فأصبح قد رين به , فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم". ولو التمس الغريم من الحاكم الحجر على مال الممتنع من الأداء أجيب لئلّا يتلف ماله .
وإن كان للمدين مال فأخفاه وهو معلوم , وطلب غريمه حبسه حبسه الحاكم وحجر عليه وعزّره حتّى يظهره , فإن لم ينزجر بالحبس ورأى الحاكم ضربه أو غيره فعل ذلك , ولو زاد مجموع الضّرب على الحدّ .
ولا يعزّره ثانيًا حتّى يبرأ من التّعزير الأوّل .
وقال الحنابلة: إن أصرّ المدين المليء على الحبس ولم يؤدّ الدّين باع الحاكم ماله وقضى دينه , لما روى كعب بن مالك رضي الله عنه عن أبيه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حجر على معاذٍ رضي الله عنه ماله وباعه في دين كان عليه » .
وقال جماعة منهم: إذا أصرّ المدين على الحبس وصبر عليه ضربه الحاكم , قال في الفصول وغيره: يحبسه فإن أبى الوفاء عزّره , ويكرّر حبسه وتعزيره حتّى يقضي الدّين , قال ابن تيميّة: نصّ عليه الأئمّة من أصحاب أحمد وغيرهم ولا أعلم فيه نزاعًا , لكن لا يزاد في كلّ يوم على أكثر التّعزير إن قيل بتقديره .
هـ - اختلاف المدين والغريم في الملاءة:
11 -لو أقام الغريم بيّنةً بملاءة المدين , أو ادّعى ملاءته بلا بيّنة , وأقام المدين بيّنةً بإعساره , أو ادّعى الإعسار بلا بيّنة , فقد اختلف الفقهاء فيمن تقبل بيّنته , وفيمن يقبل قوله لو لم تكن معه بيّنة .
قال الحنفيّة: لو اختلف الغريم والمدين في اليسار والإعسار , فقال الطّالب: هو موسر , وقال المطلوب: أنا معسر , فإن قامت لأحدهما بيّنة قبلت بيّنته , وإن أقاما جميعًا البيّنة , فالبيّنة بيّنة الطّالب , لأنّها تثبت زيادةً وهي اليسار , وإن لم يقم لهما بيّنةً فقد ذكر محمّد في الكفالة والنّكاح والزّيادات أنّه ينظر: إن ثبت الدّين بمعاقدة كالبيع والنّكاح والكفالة والصلح عن دم العمد والصلح عن المال والخلع , أو ثبت تبعًا فيما هو معاقدة كالنّفقة في باب النّكاح فالقول قول الطّالب , وكذا في الغصب والزّكاة , وإن ثبت الدّين بغير ذلك كإحراق الثّوب أو القتل الّذي لا يوجب القصاص ويوجب المال في مال الجاني وفي الخطأ فالقول قول المطلوب .
وذكر الخصّاف في آداب القاضي أنّه إن وجب الدّين عوضًا عن مال سالم للمشتري , نحو ثمن المبيع الّذي سلّم له المبيع والقرض والغصب والسّلم الّذي أخذ المسلم إليه رأس المال فالقول قول الطّالب , وكل دين ليس له عوض أصلًا كإحراق الثّوب , أو له عوض ليس بمال كالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد والكفالة فالقول قول المطلوب .
وقال الكاساني: واختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: القول قول المطلوب على كلّ حال ولا يحبس , لأنّ الفقر أصل في بني آدم والغنى عارض , فكان الظّاهر شاهدًا للمطلوب , فكان القول قوله مع يمينه .
وقال بعضهم: القول قول الطّالب على كلّ حال , لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لصاحب الحقّ اليد واللّسان » .
وقال بعضهم: يحكّم زيه: إذا كان زيه زيّ الأغنياء فالقول قول الطّالب , وإن كان زيه زيّ الفقراء فالقول قول المطلوب .
وعن أبي جعفر الهندوانيّ أنّه يحكّم زيه فيؤخذ بحكمه في الفقر والغنى , إلّا إن كان المطلوب من الفقهاء أو العلويّة أو الأشراف , لأنّ من عاداتهم التّكلف في اللّباس والتّجمل بدون الغنى , فيكون القول قول المديون أنّه معسر .
ووجه ما ذكر الخصّاف أنّ القول في الشّرع قول من يشهد له الظّاهر , فإذا وجب الدّين بدلًا عن مال سلّم له كان الظّاهر شاهدًا للطّالب , لأنّه ثبتت قدرة المطلوب بسلامة المال , وكذا في الزّكاة فإنّها لا تجب إلّا على الغنيّ فكان الظّاهر شاهدًا للطّالب .