فهرس الكتاب

الصفحة 1842 من 2053

ووجه قول محمّد وهو ظاهر الرّواية: أنّ الظّاهر شاهد للطّالب فيما ذكرنا أيضًا من طريق الدّلالة , وهو إقدامه على المعاقدة , فإنّ الإقدام على التّزوج دليل القدرة , إذ الظّاهر أنّ الإنسان لا يتزوّج حتّى يكون له شيء , ولا يتزوّج أيضًا حتّى يكون له قدرة على المهر , وكذا الإقدام على الخلع لأنّ المرأة لا تخالع عادةً حتّى يكون عندها شيء , وكذا الصلح لا يقدم الإنسان عليه إلّا عند القدرة , فكان الظّاهر شاهدًا للطّالب في هذه المواضع فكان القول قوله .

وقال المالكيّة: إن شهدت بيّنة بملاءة المدين , وشهدت بيّنة بعدم ملاءته رجّحت بيّنة الملاء على بيّنة العدم إن بيّنت بيّنة الملاء سببه , بأن قالت: له مال يفي بدينه وقد أخفاه , لأنّها بيّنة ناقلة ومثبتة وشاهدة بالعلم .

وقال ابن عرفة: لو قالت بيّنة: له مال باطن أخفاه , قدّمت اتّفاقًا , فإن لم تبيّن بيّنة الملاء سبب الملاء رجّحت بيّنة العدم , سواء بيّنت سبب العدم أم لا .

وقال عليّ الأجهوري: والّذي جرى العمل به تقديم بيّنة الملاء وإن لم تبيّن سببه .

وإن شهد شهود بعسر المدين , وقالوا في شهادتهم: إنّهم لا يعرفون للمدين مالًا ظاهرًا ولا باطنًا , فإنّ المشهود له يحلف على ما شهد به الشّهود , فيقول: باللّه الّذي لا إله إلّا هو لم أعرف لي مالًا ظاهرًا ولا باطنًا , ويزيد: وإن وجدت مالًا لأقضين ما عليّ .

وقال الشّافعيّة: لو تعارضت بيّنتا إعسار وملاءة كلّما شهدت إحداهما جاءت الأخرى فشهدت بأنّه في الحال على خلاف ما شهدت به الأولى , فهل يقبل ذلك أبدًا ويعمل بالمتأخّر؟ أفتى ابن الصّلاح بأنّه يعمل بالمتأخّر منهما وإن تكرّرت , إذا لم ينشأ من تكرارها ريبة , ولا تكاد بيّنة الإعسار تخلو عن ريبة إذا تكرّرت .

وقال الشّيرازي: إن ادّعى المدين الإعسار نظر , فإن لم يعرف له مال قبل ذلك فالقول قوله مع يمينه , لأنّ الأصل عدم المال , فإن عرف له مال لم يقبل قوله: إنّه معسر , إلّا ببيّنة , لأنّ الأصل بقاء المال , فإن قال: غريمي يعلم أنّي معسر , أو أنّ مالي هلك فحلِّفوه حُلّفَ الغريم , لأنّ ما يدّعيه محتمل .

وقال الحنابلة: إن ادّعى المدين الإعسار وكذّبه غريمه , فلا يخلو إمّا أن يكون عرف له مال أو لم يعرف: فإن عرف له مال , ككون الدّين ثبت عن معاوضة كالقرض والبيع , أو عرف له أصل مال سوى هذا فالقول قول غريمه مع يمينه , فإذا حلف الغريم أنّه ذو مال حبس المدين حتّى تشهد بيّنة بإعساره , لأنّ الظّاهر قول الغريم , فكان القول قوله كسائر الدّعاوى .

فإن شهدت البيّنة بتلف ماله قبلت شهادتهم , سواء كانت من أهل الخبرة الباطنة أو لم تكن, لأنّ التّلف يطّلع عليه أهل الخبرة وغيرهم , وإن طلب الغريم إحلافه على ذلك لم يجب إليه لأنّ ذلك تكذيب للبيّنة .

وإن شهدت البيّنة بالإعسار مع الشّهادة بالتّلف اكتفى بشهادتها وثبتت عسرته .

وإن لم تشهد البيّنة بعسرته وإنّما شهدت بالتّلف لا غير , وطلب الغريم يمين المدين على عسره وأنّه ليس له مال آخر , أستحلف على ذلك لأنّه غير ما شهدت به البيّنة .

وإن لم تشهد البيّنة بالتّلف , وإنّما شهدت بالإعسار فقط لم تقبل الشّهادة إلّا من ذي خبرة باطنة ومعرفة متقادمة , لأنّ هذا من الأمور الباطنة لا يطّلع عليه في الغالب إلّا أهل الخبرة والمخالطة , وذلك لما روى قبيصة بن المخارق رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: « يا قبيصة إنّ المسألة لا تحل إلّا لأحد ثلاثة . . . ورجل أصابته فاقة حتّى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ فحلّت له المسألة حتّى يصيب , قوامًا من عيشٍ , أو قال: سدادًا من عيشٍ » .

وإن لم يعرف للمدين مال الغالب بقاؤه , ككون الحقّ ثبت عليه في غير مقابلة مال أخذه المدين كأرش جناية وقيمة متلف ومهر أو ضمان أو كفالة أو عوض خلع إن كان امرأةً , وادّعى الإعسار ولم يقرّ المدين أنّه مليء , فإنّه يحلف: أنّه لا مال له ويخلّى سبيله , لأنّ الأصل عدم المال .

فإن أنكر رب الدّين إعسار المدين , وأقام بيّنةً بقدرة المدين على الوفاء , فإنّ المدين يحبس لثبوت ملاءته .

ولو حلف رب الدّين: أنّه لا يعلم عسرة المدين , أو حلف رب الدّين: أنّ المدين موسر , أو ذو مال , أو أنّه قادر على الوفاء حبس المدين لعدم ثبوت عسرته .

فإن لم يحلف رب الدّين بعد سؤال المدين حلّفه أنّه لا يعلم عسرته , حلف المدين أنّه معسر وخلّي سبيله , لأنّ الأصل عدم المال , إلّا أن يقيم رب الدّين بيّنةً تشهد له بما ادّعاه من يساره فيحبس المدين .

و - أثر الملاءة في منع المدين من السّفر:

12 -ذهب الفقهاء إلى أنّ المدين إذا أراد السّفر , فإن كان الدّين حالًا وكان المدين مليئًا كان من حقّ الغريم منعه من السّفر حتّى يؤدّي إليه دينه , وذلك - كما يقول الشّافعيّة - بأن يشغله عن السّفر برفعه إلى الحاكم ومطالبته حتّى يوفيه دينه , لأنّ أداء الدّين فرض عين بخلاف السّفر , لكن قال الشّافعيّة: إن استناب من يوفيه عنه من مال الحاضر فليس له منعه من السّفر .

أمّا إن كان الدّين مؤجّلًا , فقد ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه لا يجوز للغريم منع المدين من السّفر ما دام الدّين مؤجّلًا .

قال الكاساني: لا يمنع المدين من السّفر قبل حلول الأجل , سواء بعد محله أو قرب , لأنّه لا يملك مطالبته قبل حلّ الأجل ولا يمكن منعه , ولكن له أن يخرج معه , حتّى إذا حلّ الأجل منعه من المضيّ في سفره إلى أن يوفيه دينه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت