فهرس الكتاب

الصفحة 1843 من 2053

وقال الشّربيني الخطيب: أمّا الدّين المؤجّل فليس للغريم منع المدين من السّفر ولو كان السّفر مخوفًا كجهاد , أو كان الأجل قريبًا , إذ لا مطالبة به في الحالّ , ولا يكلّف من عليه الدّين المؤجّل رهنًا ولا كفيلًا ولا إشهادًا , لأنّ صاحبه هو المقصّر حيث رضي بالتّأجيل من غير رهن وكفيل , ولكن له أن يصاحبه في السّفر ليطالبه عند حلول الأجل , بشرط أن لا يلازمه ملازمة الرّقيب لأنّ فيه إضرارًا به .

أمّا المالكيّة فقد فرّقوا بين ما إذا كان الدّين المؤجّل يحل أثناء سفر المدين وبين ما إذا كان لا يحل أثناء سفره , فقالوا: للغريم منع المدين من السّفر إن حلّ الدّين بغيبته وكان موسرًا ولم يوكّل مليئًا على القضاء ولم يضمنه موسر , فإن كان المدين معسرًا أو وكّل مليئًا يقضي الدّين في غيبته من ماله أو ضمنه مليء فليس لغريمه منعه من السّفر .

فإن كان الدّين لا يحل بغيبته فليس للغريم منعه من السّفر .

قال اللّخمي: من عليه دين مؤجّل وأراد السّفر قبل حلوله فلا يمنع من السّفر إذا بقي من أجله قدر سيره ورجوعه , وكان لا يخشى لدده ومقامه , فإن خشي ذلك منه أو عرف باللّدد فله منعه من السّفر إلّا أن يأتي بحميل , وإن كان موسرًا وله عقار فهو بالخيار بين أن يعطى حميلًا بالقضاء أو وكيلًا بالبيع .

وقال الحنابلة: إن أراد المدين سفرًا طويلًا فوق مسافة القصر ويحل الدّين المؤجّل قبل فراغه من السّفر أو يحل بعده , وسواء كان السّفر مخوفًا أو غير مخوف , وليس بالدّين رهن يفي به ولا كفيل مليء بالدّين , فلغريمه منعه من السّفر , لأنّ عليه ضررًا في تأخير حقّه عن محلّه , وقدومه عند المحلّ غير متيقّن ولا ظاهر فملك منعه , لكن إذا وثّق المدين الدّين برهن يحرز الدّين أو كفيل مليء فلا يمنع من السّفر لانتفاء الضّرر .

ولو أراد المدين وضامنه معًا السّفر فللغريم منعهما إلّا إذا توثّق الدّين برهن محرز أو كفيل مليء .

لكن إذا كان سفر المدين لجهاد متعيّن فلا يمنع منه بل يمكّن من السّفر لتعينه عليه وكذلك إذا أحرم المدين بالحجّ أو العمرة فرضًا أو نفلًا فلا يحلّله الغريم من إحرامه لوجوب إتمامهما بالشّروع .

ز - أثر الملاءة في النّفقة على الزّوجة:

13 -ذهب الفقهاء إلى أنّ نفقة الزّوجة تجب على زوجها بحسب يساره ويسارها , فتجب نفقة الموسرين إذا كانا موسرين , ونفقة المعسرين إذا كانا معسرين , ونفقة الوسط إذا كان أحدهما معسرًا .

والأصل في ذلك قوله تعالى: { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ } , وهذا في الجملة .

وللفقهاء تفصيل ينظر في مصطلح: ( نفقة ) .

ح - أثر الملاءة في النّفقة على الأقارب:

14 -الأصل في النّفقة على الأقارب - كالوالدين والأبناء - الكتاب والسنّة والإجماع .

أمّا الكتاب فقوله تعالى: { وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } , وقوله تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } , ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما .

ومن السنّة قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لهند رضي الله عنها: « خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » .

وأمّا الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ نفقة الوالدين الفقيرين اللّذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد .

ويشترط لوجوب النّفقة يسار المنفق , وإعسار المنفق عليه , واحتياجه إلى النّفقة , وهذا باتّفاق في الجملة .

وللفقهاء في أصناف الّذين تجب لهم النّفقة , وهل الأصل الملاءة فيمن طولب بالنّفقة فإذا ادّعى العدم فعليه الإثبات , وغير ذلك من المسائل تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح (نفقة) .

مُلازَمَة *

التّعريف:

1 -الملازمة في اللغة: مأخوذة من الفعل: لازم , يقال: لازمت الغريم ملازمةً: تعلّقت به .

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .

الألفاظ ذات الصّلة:

الحبس:

2 -الحبس في اللغة: المنع والإمساك .

وفي اصطلاح الفقهاء هو: تعويق الشّخص ومنعه من التّصرف بنفسه والخروج إلى أشغاله ومهمّاته الدّينيّة والدنيويّة .

والعلاقة بين الملازمة والحبس: أنّ كلًا منهما إجراء يتّخذ للتّوصل إلى أداء الحقوق .

الأحكام المتعلّقة بالملازمة:

أ - حكم ملازمة المدين

3 -لا خلاف بين جمهور الفقهاء في مشروعيّة أصل ملازمة المدين , واختلفوا في شروط جوازها .

فذهب أبو حنيفة وصاحباه: إلى أنّ للدّائن ملازمة المدين , وإن ثبت إعساره عند القاضي , وليس للقاضي منع الدّائن عن ملازمة مدينه , وقالوا: لأنّه يتمكّن بالملازمة من حمل المدين على قضاء الدّين , ولقوله صلى الله عليه وسلم: « لصاحب الحقّ اليد واللّسان » . وقالوا: أراد عليه الصّلاة والسّلام باليد: الملازمة , وباللّسان: التّقاضي .

وقالوا وإذا كان المدين امرأةً لا يلازمها منعًا من الخلوة بالأجنبيّة , ويستأجر امرأةً تلازمها. وقال الشّافعيّة والحنابلة: إذا ثبت إعسار المدين عند القاضي فليس لأحد مطالبته ولا ملازمته , بل يمهل حتّى يوسر , لقوله تعالى: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } . وقد ثبت أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لغرماء الّذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثرت ديونه: « خذوا ما وجدتم , وليس لكم إلّا ذلك » .

ولأنّ من ليس لصاحب الحقّ مطالبته لم يكن له ملازمته , كما لو كان عليه دين مؤجّل , ومن وجب إنظاره بالنّصّ حرمت ملازمته , أمّا إذا لم يثبت إعساره عند القاضي فيجوز ملازمته .

هذا ولم نقف فيما تيسّر لنا اطّلاعه من كتب المالكيّة ذكرًا للملازمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت