قال ابن تيميّة: الروح المدبِّرة للبدن الّتي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه , وهي النّفس الّتي تفارقه بالموت . . . وإنّما تسمّى نفسًا باعتبار تدبيرها للبدن , وتسمّى روحًا باعتبار لطفها .
ودليلهم على ذلك قوله تعالى: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً } ، قال ابن القيّم: والأنفس هاهنا هي الأرواح قطعًا .
وتقسّم النّفس إلى النّفس الأمّارة , واللّوّامة , والمطمئنّة , وذكر ابن تيميّة أنّ النّفس يراد بها عند كثير من المتأخّرين صفاتها المذمومة , فيقال: فلان له نفسٌ: أي مذمومة الأحوال , وأيضًا: فإنّ النّفس لمّا كانت حال تعلقها بالبدن يكثر عليها اتّباع هواها صار لفظ"النّفس"يُعبّر به عن النّفس المتّبعة لهواها , أو عن اتّباعها الهوى , بخلاف لفظ"الروح"فإنّه لا يعبّر به عن ذلك .
وقال الفيوميّ: والنّفس أنثى إن أريد بها الروح , قال تعالى: { خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ } , وإن أريد الشّخص فمذّكّر .
وحكى الكفويّ في الكلّيّات أنّ الإنسان له نفسان: نفسٌ حيوانيّة , ونفسٌ روحانيّة .
فالنّفس الحيوانيّة لا تفارقه إلّا بالموت , والنّفس الروحانيّة - الّتي هي من أمر اللّه - هي الّتي تفارق الإنسان عند النّوم , وإليها الإشارة بقوله تعالى: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } ، ثمّ إنّه تعالى إذا أراد الحياة للنّائم ردّ عليه روحه فاستيقظ , وإذا قضى عليه بالموت أمسك عنه روحه فيموت , وهو معنى قوله: { فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً } ، أمّا النّفس الحيوانيّة فلا تفارق الإنسان بالنّوم , ولهذا يتحرّك النّائم , وإذا مات فارقه جميع , ذلك .
والصّلة بين النّفس والموت التّباين .
ج - الحياة:
6 -الحياة في اللغة نقيض الموت , وهي في الإنسان عبارة عن قوّة مزاجيّة تقتضي الحسّ والحركة , وهي الموجبة لتحريك من قامت به , ومفهومها عند الفقهاء: أثر مقارنة النّفوس للأبدان , وإنّها لتسري في الإنسان تبعًا لسريان الروح في جسده . وحكى القزويني أنّ الروح هي الحياة , وأنّ الحياة عرضٌ يقوم بالحيّ , فمتى وجد فيه يكون حيًّا , وإذا عدم فيه فقد حصل ضدُّه , وهو الموت .
وقد ذكر الرّاغب الأصفهاني أنّ"الحياة"تستعمل على أوجهٍ:
الأوّل: للقوّة النّامية الموجودة في النّبات والحيوان , ومنه قيل: نبات حيٌّ , قال تعالى:
{ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } .
والثّاني: للقوّة الحسّاسة , وبه سمّي الحيوان حيوانًا , قال تعالى: { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ } .
والثّالث: للقوّة العالمة العاقلة , كقوله: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } .
والرّابع: عبارة عن ارتفاع الغمّ , وعلى ذلك قوله تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ } ، أي هم متلذّذون لما روي في الأخبار الكثيرة عن أرواح الشّهداء .
والخامس: الحياة الأخرويّة الأبديّة , وقد جاء ذلك في قوله تعالى: { يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} يعني بها الحياة الأخرويّة الدّائمة .
والسّادس: الحياة الّتي يوصف بها الباري تعالى , فإنّه إذا قيل فيه سبحانه , هو حيّ , فمعناه لا يصح عليه الموت , وليس ذلك إلّا للّه عزّ وجلّ .
ثمّ إنّ الحياة باعتبار الدنيا والآخرة ضربان الحياة الدنيا , والحياة الآخرة .
وقوله عزّ وجلّ: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } ، أي يرتدع بالقصاص من يريد الإقدام على القتل , فيكون في ذلك حياة النّاس .
والصّلة بين الموت والحياة أنّهما نقيضان .
د - الأهليّة:
7 -الأهليّة شرعًا هي كون الإنسان بحيث يصح أن يتعلّق به الحكم , والمعنى أنّها صفة أو قابليّة يقدّرها الشّارع في الشّخص تجعله محلًا صالحًا لأن يتعلّق به الخطاب التّشريعي . والصّلة بين الموت وبين الأهليّة أنّ الموت سبب من أسباب انعدام الأهليّة .
هـ - الذّمّة:
8 -الذّمّة كما عرّفها الجرجاني: وصف يصير الشّخص به أهلًا للإيجاب له وعليه . والصّلة بين الموت وبين الذّمّة أنّ الموت سبب من أسباب انعدام الذّمّة أو ضعفها أو شغلها.
أقسام الموت:
9 -الموت عند الفقهاء على ثلاثة أقسام: حقيقيّ , وحكميّ , وتقديريّ .
فأمّا الموت الحقيقي: فهو مفارقة الروح للجسد على وجه الحقيقة واليقين , ويعرف بالمشاهدة , ويثبت بإقامة البيّنة عليه أمام القضاء .
وأمّا الموت الحكمي: فهو حكم يصدر من قبل القاضي بموت شخصٍ من الأشخاص - وإن كان لا يزال حيًّا - لسبب شرعي يقتضي ذلك .
ومن أمثلته عند الحنفيّة: المرتد إذا لحق بدار الحرب , وصدر حكم القاضي بلحوقه بها مرتدًا , فإنّه يعتبر ميّتًا من حين صدور الحكم , وإن كان حيًّا يرزق بدار الحرب , فيقسم ماله بين ورثته , وقد علّل ذلك السّرخسي بقوله: لأنّ الإمام لو ظفر به موّته حقيقةً , بأنّ يقتله , فإذا عجز عن ذلك بدخوله بدار الحرب موّته حكمًا , فقسم ماله .