فهرس الكتاب

الصفحة 1858 من 2053

ومن أمثلته عند المالكيّة: المفقود"وهو الّذي يعمى خبره , وينقطع أثره , ولا يُعلم موضعه , ولا تدرى حياته ولا موته"إذا حكم القاضي بموته بناءً على ما ترجّح لديه من الظروف وقرائن الأحوال , فإنّه يعتبر ميّتًا من حيث الحكم , قال الدسوقيّ: لأنّ هذا تمويت, أي حكم بالموت , لا موت حقيقةً , وعلى ذلك فإنّه يرثه من ورثته من كان حيًّا في ذلك الوقت , دون من مات قبل ذلك .

وأمّا الموت التّقديري: فهو للجنين الّذي أسقط ميّتًا بجناية على أمّه . كما إذا ضرب إنسان امرأةً , فأسقطت جنينًا ميّتًا فإنّه يجب على الجاني أو عاقلته الغرّة"دية الجنين"وهذه الدّية تكون لورثة الجنين على فرائض اللّه تعالى , حيث يقدّر حيًّا في بطن أمّه قبل الجناية ثمّ موته منها .

الأحكام المتعلّقة بالموت:

تتعلّق بالموت أحكام منها:

انتهاء الأهليّة وخراب الذّمّة بالموت:

10 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الموت هادم لأساس التّكليف , لأنّه عجزٌ كله عن إتيان العبادات أداءً وقضاءً , ولأنّ الميّت قد ذهب من دار الابتلاء إلى دار الجزاء , قال ابن نجيم: إنّ الموت ينافي أحكام الدنيا ممّا فيه تكليف , لأنّ التّكليف يعتمد القدرة والموت عجزٌ كله . وحيث إنّ الذّمّة خاصّة من الخصائص الإنسانيّة فإنّها تبدأ مع الشّخص منذ الحمل به , وتبقى معه طيلة حياته , فإذا مات خربت ذمّته وانتهت أهليّته .

غير أنّ الفقهاء اختلفوا هل تخرب الذّمّة وتنتهي فورًا بمجرّد حصول الموت , أم أنّ الموت يضعفها , أم أنّها تبقى كما هي بعد الموت حتّى تستوفى الحقوق من التّركة ؟

وذلك على ثلاثة مذاهب ينظر تفصيلها في ( ذمّة ف / 6 - 9 ) .

انقطاع العمل بالموت ومدى انتفاع الموتى بسعي الأحياء:

11 -لا خلاف بين أهل العلم في انقطاع عمل ابن آدم بموته في الجملة , لأنّ الموت عجزٌ كامل عن إتيان العبادات أداءً وقضاءً , ولأنّ الميّت قد ارتحل من دار الابتلاء والتّكليف إلى دار الجزاء , ولكنّه ينتفع بما تسبّب إليه في حياته من عمل صالح , لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاثة: إلّا من صدقة جارية , أو علم ينتفع به , أو ولد صالح يدعو له » ، وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « إنّ ممّا يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علّمه ونشره , أو ولدًا صالحًا تركه , أو مصحفًا ورّثه , أو مسجدًا بناه , أو بيتًا لابن السّبيل بناه , - أو نهرًا أجراه , أو صدقةً أخرجها من ماله في صحّته وحياته يلحقه من بعد موته » ، وروى جرير بن عبد اللّه رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « من سنّ في الإسلام سنّةً حسنةً , فله أجرها وأجر من عمل بها بعده , من غير أن ينقص من أجورهم شيء , ومن سنّ في الإسلام سنّةً سيّئةً , كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده , من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » .

أمّا انتفاعه بغير ما تسبّب إليه في حياته من عمل صالح , فقد فرّق الفقهاء في ذلك بين أمرين:

أ - دعاء المسلمين له واستغفارهم , وفي ذلك قال النّووي: أجمع العلماء على أنّ الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه , واحتجوا بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } , وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها , وبالأحاديث المشهورة كقوله صلى الله عليه وسلم: « اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد » وكقوله: « اللّهمّ اغفر لحيِّنا وميّتنا » .

ب - ما جعل الأحياء ثوابه للميّت من الأعمال الأخرى كالحجّ والصّدقة والصّوم والصّلاة وتلاوة القرآن ونحو ذلك , فقد اختلف الفقهاء في مشروعيّة كلّ واحد منها ووصوله للميّت. وتفصيل ذلك في مصطلح ( أداء ف / 14 , وقراءة ف / 18 ، وقربة ف / 11 ) .

السّلام على الموتى وردهم:

12 -ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « ما من أحد مرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا , فسلّم عليه إلّا عرفه وردّ عليه السّلام » ، وورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه أمر بقتلى بدر , فألقوا في قليب , ثمّ جاء حتّى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم: يا فلان ابن فلان , ويا فلان ابن فلان , هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا , فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقًا , فقال له عمر: يا رسول اللّه , ما تخاطب من أقوام قد جيّفوا , فقال عليه الصلاة والسلام: والّذي بعثني بالحقّ , ما أنتم بأسمع لما أقول منهم , ولكنّهم لا يستطيعون جوابًا » ، وورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه إنّه ليسمع قرع نعالهم » ، ولهذا أمر النّبي صلى الله عليه وسلم بالسّلام على الموتى , حيث جاء أنّه صلى الله عليه وسلم كان يعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: « السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين , وإنّا إن شاء اللّه بكم للاحقون » .

قال ابن القيّم: وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل , ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد , والسّلف مجمعون على هذا , وقد تواترت الآثار بأنّ الميّت يعرف زيارة الحيّ له ويستبشر به .

وجاء في فتاوى العزّ بن عبد السّلام: والظّاهر أنّ الميّت يعرف الزّائر , لأنّا أمرنا بالسّلام عليهم , والشّرع لا يأمر بخطاب من لا يسمع .

عودة أرواح الموتى في الحياة البرزخيّة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت