فهرس الكتاب

الصفحة 1859 من 2053

13 -المراد بالبرزخ هاهنا: الحاجز بين الدنيا والآخرة , قال العلماء: وله زمان ومكان وحال , فزمانه من حين الموت إلى يوم القيامة , وحاله الأرواح , ومكانه من القبر إلى علّيّين لأرواح أهل السّعادة , أمّا أهل الشّقاوة فلا تفتح لأرواحهم أبواب السّماء , بل هي في سجّين مسجونة , وبلعنة اللّه مصفودة , قال ابن القيّم: إنّه ينبغي أن يعلم أنّ عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب , البرزخ ونعيمه , وهو ما بين الدنيا والآخرة . قال تعالى: { وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } .

هذا وقد اختلف العلماء في السؤال في القبر , هل يقع على البدن أم على الروح أو عليهما معًا , وذلك على أربعة أقوال:

الأوّل: لجمهور علماء أهل السنّة , وهو أنّ الروح تعاد إلى الجسد أو بعضه , ولا يمنع من ذلك كون الميّت قد تتفرّق أجزاؤه , لأنّ اللّه قادر على أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد , ويقع عليه السؤال , كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه , قال ابن حجر الهيتمي: ويجوز أن ترجع الروح في حال آخر وأمر ثان , وبعودها يرجع الميّت حيًّا , وهو المعبَّر عنه بحياة القبر عند إتيان الملكين للسؤال , فإذا ردَّت إليه الحياة , للجسم والروح , تبعتها الإدراكات المشروطة بها , فيتوجّه حينئذٍ على الميّت السؤال , ويتصوَّر منه الجواب .

وقال ابن تيميّة: عود الروح إلى بدن الميّت في القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة الدنيا , وإن كان ذلك قد يكون أكمل من بعض الوجوه , كما أنّ النّشأة الأخرى ليس مثل هذه النّشأة , وإن كانت أكمل منها , بل كل موطن في هذه الدّار وفي البرزخ والقيامة له حكم يخصُّه .

وقال ابن حجر العسقلاني: المراد بالحياة في القبر للمسألة ليست الحياة المستقرّة المعهودة في الدنيا الّتي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه , وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء, بل هي مجرّد إعادة لفائدة الامتحان الّذي وردت به الأحاديث الصّحيحة , فهي إعادة عارضة .

الثّاني: لأبي حنيفة والغزاليّ: وهو التّوقف . قال الغنيميّ الحنفي: واعلم أنّ أهل الحقّ اتّفقوا على أنّ اللّه يخلق في الميّت نوع حياة في القبر , قدر ما يتألّم ويلتذَّ , لكن اختلفوا في أنّه هل تعاد الروح إليه أم لا ؟

والمنقول عن الإمام أبي حنيفة التّوقف , وقال الغزالي: ولا يبعد أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر , ولا يبعد أن تؤخّر إلى يوم البعث , واللّه أعلم بما حكم به على عبد من عباده . الثّالث: لابن جرير وجماعة , وهو أنّه يقع على البدن فقط , وأنّ اللّه يخلق فيه إدراكًا بحيث يسمع ويعلم ويلتذ ويألم .

الرّابع: لابن هبيرة وغيره: وهو أنّ السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد.

14 -وقد تفرّع عن ذلك الخلاف اختلاف العلماء في نعيم القبر وعذابه في الحياة البرزخيّة , هل يقع على الروح فقط أم على الجسد أم على كليهما ؟

فذهب ابن هبيرة والغزالي إلى أنّ التّنعيم والتّعذيب إنّما هو على الروح وحدها .

وقال جمهور أهل السنّة والجماعة من المتكلّمين والفقهاء: هو على الروح والجسد .

قال النّووي: النّعيم والعذاب للجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه أو إلى جزء منه , وقال ابن تيميّة: العذاب والنّعيم على النّفس والبدن جميعًا باتّفاق أهل السنّة والجماعة , تنعّم النّفس وتعذّب منفردةً عن البدن , وتعذّب متّصلةً بالبدن , والبدن متّصل بها , فيكون النّعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين , كما يكون للروح منفردةً عن البدن .

وذهب ابن جرير إلى أنّ الميّت يعذّب في قبره من غير أن تردّ الروح إليه , ويحس بالألم وإن كان غير حي .

مستقر أرواح الموتى ما بين الموت إلى يوم القيامة:

15 -قال ابن القيّم: إنّ اللّه جعل الدور ثلاثًا: دار الدنيا , ودار البرزخ , ودار القرار , وجعل لكلّ دار أحكامًا تختص بها , وركّب هذا الإنسان من بدن وروح , وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبعًا لها , ولهذا جعل أحكامه الشّرعيّة مرتّبةً على ما يظهر من حركات اللّسان والجوارح , وإن أضمرت النّفوس خلافه , وجعل أحكام البرزخ على الأرواح, والأبدان تبعًا لها , فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا , فتألّمت بألمها والتذّت براحتها , فإنّ الأبدان تتبع الأرواح في أحكام البرزخ في نعيمها وعذابها حتّى إذا كان يوم القيامة أعيدت الأرواح إلى الأجساد , وقاموا من قبورهم لربّ العالمين .

والبرزخ هو أوّل دار الجزاء , وعذاب البرزخ ونعيمه أوّل عذاب الآخرة ونعيمها , وهو مشتق منه , وواصل إلى أهل البرزخ , يدل على ذلك ما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في نعيم القبر وعذابه بعد سؤال الملكين: « فينادي مناد من السّماء - في حقّ المؤمن الصّادق - أن صَدَق عبدي , فافرشوه من الجنّة , وافتحوا له بابًا إلى الجنّة , وألبسوه من الجنّة . قال: فيأتيه من روحها وطيبها , ويُفتح له فيها مدَّ بصره » . أمّا في حقّ الكافر: « فينادي منادٍ من السّماء: أن كذب , فافرشوه من النّار , وألبسوه من النّار , وافتحوا له بابًا إلى النّار . قال: فيأتيه من حرِّها وسمومها , ويضيّق عليه قبره , حتّى تختلف فيه أضلاعه » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت