فهرس الكتاب

الصفحة 1860 من 2053

وقد اختلف العلماء في مستقرّ أرواح الموتى ما بين الموت إلى يوم القيامة , هل هي في السّماء أم في الأرض , وهل هي في الجنّة والنّار أم لا , وهل تودع في أجساد أم تكون مجرّدةً ؟ فهذه من المسائل العظام قد تكلّم فيها النّاس , وهي إنّما تتلقّى من السّمع فقط . قال الحافظ ابن حجر: إنّ أرواح المؤمنين في علّيّين , وأرواح الكفّار في سجِّين , ولكلّ روح اتّصال , وهو اتّصال معنويّ لا يشبه الاتّصال في الحياة الدنيا , بل أشبه شيء به حال النّائم انفصالًا , وشبَّهه بعضهم بالشّمس , أي بشعاع الشّمس , وهذا مجمع ما افترق من الأخبار أنّ محلَّ الأرواح في علّيِّين وفي سجّين , ومن كون أفنية الأرواح عند أفنية قبورهم, كما نقله ابن عبد البرّ عن الجمهور .

أثر الموت على حقوق المتوفّى:

أثر الموت على الحقوق الماليّة المحضة:

16 -الحقوق الماليّة المحضة: هي ما تستحيل في النّهاية إلى مال مثل الديون في ذمم الغرماء , وحق حبس المبيع لاستيفاء الثّمن وحق حبس الرّهن لاستيفاء الدّين وحق الدّية والأرش في الأطراف وحقوق الارتفاق وبيان ذلك فيما يلي:

أوّلًا - الديون في ذمّة الغرماء:

17 -لا خلاف بين الفقهاء في عدم تأثير موت الدّائن على الديون الّتي وجبت له في ذمّة الغرماء , وأنّها تنتقل إلى ورثته كسائر الأموال الّتي تركها , لأنَّ الديون في الذّمم أموال حقيقةً أو حكمًا باعتبارها تئُول إلى مال عند الاستيفاء .

18 -واستثنى الحنفيّة من ذلك دين نفقة الزّوجة , سواء تقرّر بالتّراضي أو بقضاء القاضي , وقالوا إنّه يسقط بموت الزّوجة قبل قبضه , لأنّ النّفقة صلة , والصّلات عندهم لا تتمُّ إلّا بالتّسليم , وتسقط بالموت قبله , إلّا إذا استدانت النّفقة بأمر القاضي , فعندئذٍ لا تسقط بموتها , بل تنتقل إلى ورثتها , وكذلك دين نفقة الأقارب , فإنّه يسقط عندهم بموت من وجب له قبل قبضه , لأنّ هذه النّفقة إنّما وجبت كفايةً للحاجة . . . إلّا إذا أذن القاضي لمن وجبت له بالاستدانة واستدان , فعندئذٍ لا تسقط بموته , بل تنتقل إلى ورثته , وهذا قول لبعض الحنابلة أيضًا في دين نفقة الأقارب .

أمّا جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة فقد قالوا: إنّ دين نفقة الزّوجة دين صحيح , سواء وجب بالتّراضي أو بقضاء القاضي , ولا يسقط بموتها قبل تسلمه , بل ينتقل إلى ورثتها كسائر الديون , أمّا نفقة الأقارب , فإنّ وجوبها على سبيل المواساة وسدّ الخلّة, وهي مجرّد إمتاع فلا تصير دينًا إلّا إذا فرضها القاضي , فحينئذٍ تثبت لمن وجبت له , ولا تسقط بموته قبل قبضها , بل تنتقل إلى ورثته .

19 -والديون عند جمهور الفقهاء تنتقل إلى الورثة بالصّفة الّتي كانت عليها حال حياة الدّائن , فما كان منها حالًا انتفل إلى الورثة حالًا , وما كان منها مؤجّلًا أو مقسّطًا انتقل كما هو مؤخّرًا إلى أجله , حيث إنّ الأجل عندهم لا يسقط بموت الدّائن .

وحكي عن اللّيث والشّعبيّ والنّخعيّ أنّ كلّ من مات وله دين مؤجّل , فإنّه ينتقل بعد موته إلى ورثته حالًا , ويبطل الأجل بوفاته .

ثانيًا - الدّية وأرش الأطراف:

20 -الدّية والأرش كلاهما حق ماليّ يجب للمجنيّ عليه بدل الجناية عليه .

ويطلق الفقهاء الدّية على المال الّذي هو بدل النّفس , والأرش على المال الواجب على ما دون النّفس من الأطراف .

والتّفصيل في مصطلح ( ديات ف 4 وما بعدها , أرشٌ ف / 1 ) .

ومن المقرّر فقهًا أنّ الدّية والأرش تكونان على الجاني في جناية العمد , وعلى عاقلته في الخطأ , ولكن إذا حدث أن مات المجني عليه بسبب الجناية عليه أو توفّي بعد ما وجب له الحق في الأرش , فما هو مصير هذا الحقّ هل يعتبر ملكًا له , ومن جملة أمواله , بحيث تقضى منه ديونه وتنفذ منه وصاياه , وما بقي بعد ذلك يكون لورثته على فرائض اللّه تعالى , أم أنّه يسقط حقه في تملكه , ويكون لورثته دونه , بحيث لا توفّى منه ديونه ولا ينفذه منه شيء من وصاياه ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

أحدهما: لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في المعتمد , وهو أنّ دِيَّة العمد والخطأ مال يحدثُ على ملك الميّت , لأنّها بدل نفسه , ونفسه له , فكذلك بدلها , ولأنّ بدل أطرافه في حال حياته له , فكذلك بدلها بعد موته , ويجوز تجدد الملك له بعد موته , كمن نصب شبكةً ونحوها فسقط بها صيد بعد موته . . . وعلى ذلك: فإنّه تسدُّد منها ديونه , وتنفّذ منها وصاياه , وتقضى منها سائر حوائجه من تجهيز ونحوه , ثمّ ما يبقى بعد ذلك منها فإنّه يكون لورثته حسب قواعد الإرث .

واحتجوا على ذلك بما روي « أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه نشد النّاس بمنى: من كان عنده علم من الدّية أن يخبرني , فقام الضّحّاك بن سفيان الكلابيّ فقال: كتب إليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن أورّث امرأة أشيم الضّبابيّ من دية زوجها . . . فقضى عمر بذلك . قال ابن شهاب: وكان أشيم قتل خطأً » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت