قال الباجيّ: اقتضى ذلك تعلق هذا الحكم بقتل الخطأ , إلّا أنّ دية العمد محمولة عند جميع فقهاء الأمصار على ذلك , ولم يفرّق أحد منهم علمناه في ذلك بين دية العمد والخطأ , وأنّها كسائر مال الميّت , يرث منها الزّوج والزّوجة والإخوة للأمّ وغيرهم , وهذا مرويّ عن عمر وعلي وشريح والشّعبيّ والنّخعيّ والزهريّ . وعلَّق الإمام الشّافعي على أثر عمر وقضائه بقوله: ولا اختلاف بين أحد في أن يرث الدّية في العمد والخطأ من ورث ما سواها من مال الميّت , لأنّها تملك عن الميّت , وبهذا نأخذ , فنورِّث الدّية في العمد والخطأ من ورث ما سواها من مال الميّت , وإذا مات المجني عليه وقد وجبت ديته , فمن مات من ورثته بعد موته كانت له حصّته من ديته , كأنّ رجلًا جُني عليه في صدر النّهار فمات , ومات ابن له في آخر النّهار , فأخذت دية أبيه في ثلاث سنين , فميراث الابن الّذي عاش بعده ساعةً قائم في ديته , كما يثبت في دين لو كان لأبيه , وكذلك امرأته وغيرها ممّن يرثه إذا مات . والثّاني: لإسحاق وأبي ثور وأحمد في رواية عنه , وهو قول عند الشّافعيّة وروي عن مكحول وشريك وهو أنّ الدّية تثبت للورثة ابتداءً , ولا تكون ملكًا للميّت أصلًا , إذ المقتول لا تجب ديته إلّا بعد موته , وإذا مات فقد بطل ملكه , ولهذا لا يصح أن تقضى منها ديونه , ولا أن تنفّذ منها وصاياه .
وقد جاء في استدلالهم على ما ذهبوا إليه: أنّ الدّية مال حدث للأهل بعد موت مورّثهم , ولم يرثوه عنه قط , إذ لم يجب له شيء منه في حياته , فكان من الباطل أن يقضى دينه من مال الورثة الّذي لم يملكه هو قطٌّ في حياته , وأن تنفّذ منه وصيّته . . . ثمّ إنّه بالموت تزول أملاك الميّت الثّابتة له , فكيف يتجدّد له بعد ذلك ملك ؟ ولهذا لا تنفّذ وصيّته من مال الدّية , لأنّ الميّت إنّما يوصي بجزء من مال لا بمال ورثته .
ثالثًا - حقوق الارتفاق:
21 -حق الارتفاق عبارة عن حق مقرّر على عقار لمنفعة عقار آخر مملوك لغير مالك العقار الأوّل , وتشمل حقوق الارتفاق عند الفقهاء: حقّ الشّرب , وحقّ المجرى , وحقّ المسيل , وحقّ المرور , وحقّ التّعلّي , وحقّ الجوار .
وحقوق الارتفاق ليست بمفردها مالًا عند الحنفيّة , لأنّها أمور لا يمكن حوزها وادّخارها , ولذلك قالوا بعدم جواز بيعها وإجارتها وهبتها استقلالًا , ولكنّهم يعتبرونها حقوقًا ماليّةً لتعلقها بأعيان ماليّة , ومن هنا أجازوا بيعها تبعًا للعقار الّذي ثبتت لمنفعته .
أمّا جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة فقد اعتبروها من قبيل الأموال , وأجازوا - في الجملة - بيعها وهبتها استقلالًا .
ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ هذه الحقوق لا تسقط بموت صاحب الحقّ , بل تنتقل إلى ورثته تبعًا للعقار الّذي ثبتت لمصلحته , لأنّه حقوق ماليّة , فيها معنى المال , وهي متعلّقة بأعيان ماليّة , ولهذا فلا تأثير للموت عليها , سواء قيل إنّها أموال ذاتها أو حقوق متعلّقة بأعيان ماليّة .
رابعًا - حقوق المرتهن:
22 -الرّهن هو المال الّذي يجعل وثيقةً بالدّين , ليستوفى من ثمنه إن تعذّر استيفاؤه ممّن هو عليه . وبهذه الوثيقة يصير المرتهن أحقّ بالرّهن من سائر الغرماء بحيث إذا كان على الرّاهن ديون أخرى لا تفي بها أمواله , وبيع الرّهن لسداد ما عليه , كان للمرتهن أن يستوفي دينه من ثمنه أوّلًا , فإن بقي شيء فهو لبقيّة الغرماء .
وقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ حقوق المرتهن لا تبطل بموته , بل تنتقل إلى ورثته , وعلى ذلك: فالميّت الّذي له دين به رهن , فإنّه ينتقل إلى ورثته برهنه , وتبقى العين رهنًا عندهم , وتتعلّق بها سائر حقوق المرتهن المعروفة عند الفقهاء .
23 -واختلف الفقهاء في تأثير الموت على حقوق المرتهن إذا مات قبل قبض الرّهن , هل تنتقل إلى ورثته أم تسقط بوفاته ؟ وذلك على قولين:
أحدهما: لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة , وهو أنّ الرّهن يبطل بموت المرتهن قبل قبض العين المرهونة , ولا ينتفل إلى ورثته , لأنّ الرّهن لا يلزم عندهم إلّا بالقبض , فإن مات المرتهن قبل أن يلزم عقد الرّهن , فإنّه يبطل .
والثّاني: للمالكيّة: وهو أنّ حقوق المرتهن تنتقل إلى ورثته , ويجبر الرّاهن على إقباضهم العين المرهونة متى طلبوا ذلك , إلّا أن يتراخى الإقباض حتّى يفلس الرّاهن أو يمرض أو يموت , وذلك لأنّ الرّهن عند المالكيّة يلزم بمجرّد العقد دون توقف على قبض .
خامسًا - حق حبس المبيع لاستيفاء الثّمن:
24 -ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ للبائع حقّ حبس المبيع والامتناع عن تسليمه للمشتري حتّى يستوفي ثمنه إذا كان حالًا , أو القدر الحالّ منه إذا كان بعضه مؤجّلًا , أمّا إذا كان الثّمن مؤجّلًا , فليس للبائع حق الحبس , اعتبارًا لتراضيهما على تأخيره .
أمّا عند الحنابلة فليس للبائع حق حبس المبيع حتّى يستوفي ثمنه إذا كان الثّمن دينًا حالًا , أي مالًا غير معيّن ولا مؤجّل , وكان حاضرًا معه في المجلس , أمّا إذا كان الثّمن غائبًا عن المجلس , فللبائع حبس المبيع لقبض الثّمن .
ولمّا كان حق البائع في حبس المبيع لاستيفاء الثّمن من الحقوق الماليّة , أي المتعلّقة بالمال , فقد نصّ جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة على أنّ صاحب هذا الحقَّ إذا مات , فإنّ حقّه في ذلك لا يسقط بموته بعد تقرره , بل ينتقل إلى ورثته - كسائر أعيانه الماليّة - ولا يكون للموت تأثير في سقوطه بعد ثبوته .