فهرس الكتاب

الصفحة 1864 من 2053

والثّاني: للمالكيّة , وهو أنّ الإعارة سواء كانت مقيّدةً بمدّة معيّنة أو مطلقةً , فإنّ المستعير يستحق الانتفاع بها في المدّة المحدّدة أو الّتي ينتفع بها النّاس عادةً عند الإطلاق , فإن مات المستعير قبل انتهاء تلك المدّة , فإنّ حقّه في المنفعة في المدّة المتبقّية لا يسقط بموته , بل ينتقل إلى ورثته , إلّا في حالة واحدة , وهي ما إذا اشترط المعير عليه أن ينتفع بها بنفسه فقط , فحينئذٍ لا تورث عنه المدّة المتبقّية , لأنّ فيها يعتبر حقًا شخصيًّا .

ج - الوصيّة بالمنفعة:

42 -اختلف الفقهاء فيما إذا مات الموصى له بالمنفعة قبل انقضاء أمدها , هل تبطل الوصيّة بالمنفعة بموته , أم أنّ المنفعة تنتقل إلى ورثته حتّى نهاية مدّتها ؟ وذلك على قولين:

أحدهما: للحنفيّة , وهو أنّ ما تبقّى من مدّة المنفعة بعد موت الموصى له بها يسقط بموته, ولا يورث عنه , بل تعود العين إلى ورثة الموصي بحكم الملك , وذلك لأنّ الموصي قد أوجب الحقّ للموصى له ليستوفي المنفعة على حكم ملكه , فإذا انتقل هذا الحق إلى ورثة الموصى له بعد موته , فيكون كأنّهم استحقوه ابتداءً من ملك الموصي من غير رضاه , وذلك لا يجوز , ولأنّ المنفعة عرضٌ , والعرض لا يبقى زمانين حتّى يكون محلًا للتّوارث . والثّاني: للشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة , وهو أنّ الموصى له بالمنفعة يملك تلك المنفعة , وعلى ذلك: فإذا مات , فإنّها لا تسقط بموته , بل تنتقل إلى ورثته فيما بقي له من المدّة إذا كانت الوصيّة مقيّدةً بزمن معيّن أو كانت على التّأبيد لأنّها مال , فتورث عنه كسائر أمواله . واستثنوا من ذلك حالة ما إذا كانت الوصيّة بالمنفعة مقيّدةً بحياة الموصى له , ففي هذه الحالة يعتبر حق الموصى له بها حقًا شخصيًّا , فيسقط بوفاته , ولا ينتقل إلى ورثته .

خامسًا - أجل الديون:

43 -الأجل في الديون حق للمدين , ومن ثبت له هذا الحق فليس للدّائن مطالبته بالدّين قبل حلوله , فإذا مات فهل يبطل الأجل ويحل الدّين بموته , أم يبقى ثابتًا كما هو وينتقل عنه إلى ورثته ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:

أحدها: لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة وأحمد في رواية عنه , وهو أنّ الأجل يسقط , ويحل الدّين بموت المدين , وتنقلب جميع الديون المؤجّلة الّتي عليه مهما اختلفت آجالها حالّةً بموته , وبه قال الشّعبي والنّخعيّ وسوّار والثّوري .

قال ابن رشد الحفيد: وحجّتهم أنّ اللّه تعالى لم يبح التّوارث إلّا بعد قضاء الدّين , فالورثة في ذلك أحد أمرين: إمّا أن لا يريدوا أن يؤخّروا حقوقهم في المواريث إلى محلِّ أجل الدّين, فيلزم أن يجعل الدّين حالًا , وإمّا أن يرضوا بتأخير ميراثهم حتّى تحلَّ الديون , فتكون الديون حينئذٍ مضمونةً في التّركة خاصّةً لا في ذممهم , وقال ابن قدامة: ولأنّه لا يخلو: إمّا أن يبقى في ذمّة الميّت , أو الورثة , أو يتعلّق بالمال , ولا يجوز بقاؤه في ذمّة الميّت لخرابها وتعذر مطالبته بها , ولا ذمّة الورثة لأنّهم لم يلتزموه , ولا رضي صاحب الدّين بذممهم , وهي مختلفة متباينة , ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله , لأنّه ضرر بالميّت وصاحب الدّين ولا نفع للورثة فيه .

وقد استثنى المالكيّة من ذلك حالتين , وقالوا: إنّ الدّين المؤجّل لا يحل بالموت فيهما , وهي:

أ - إذا قتل إلى الدّائن المدين , فإنّ دينه لا يحلُّ , لأنّه قد استعجله قبل أوانه فعوقب بالحرمان .

ب - إذا اشترط المدين على الدّائن أن لا يحلّ الدّين المؤجّل الّذي عليه بموته , فيعمل بالشّرط .

والثّاني: للحنابلة في المذهب , وهو أنّ الدّين المؤجّل لا يحلُّ بموت المدين إذا وثَّقه الورثة أو غيرهم برهن أو كفيل مليء بالأقلّ من قيمة التّركة أو الدّين , فإن لم يوثَّق بذلك حلّ , لأنّ الورثة قد لا يكونون أملياء , ولم يرض بهم الغريم , فيؤدّي إلى فوات الحقّ , وهو قول ابن سيرين وعبد اللّه بن الحسن وإسحاق وأبي عبيد .

وحجّتهم على ذلك أنّ الموت ما جعل مبطلًا للحقوق , وإنّما هو ميقات للخلافة , وعلامة على الورثة , وعلى هذا يبقى الدّين في ذمّة الميّت كما كان , ويتعلّق بعين ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه , فإن أحبّ الورثة التزام الدّين وأداءه للغريم على أن يتصرّفوا في المال , لم يكن لهم ذلك إلّا أن يرضى الغريم , أو يوثّقوا الحقّ بضمين مليء أو رهن يثق به لوفاء حقّه .

والثّالث: رواية عن أحمد اختارها أبو محمّد الجوزي من الحنابلة , وهو أنّ الأجل لا يحل بالموت مطلقًا , وإن لم يوثّق الورثة أو غيرهم الدّين , وذلك لأنّ الأجل حق للميّت , فيورث عنه كسائر حقوقه , وبه قال طاووسٌ وأبو بكر بن محمّد والزهري وسعد بن إبراهيم وحكي عن الحسن .

سادسًا - حق التّحجير:

44 -وهو حق يثبت لمن قام بوضع علاماتٍ في أرض مواتٍ - سواء بنصب أحجار أو غرز أخشاب عليها أو حصاد ما فيها من الحشيش والشّوك ونحو ذلك - ليصير أحقّ النّاس بها لسبق يده عليها , وقد حدّد بعض الفقهاء له أمدًا معيّنًا ينتهي فيه , بحيث لا يستطيع أحد مزاحمته خلاله , وهو ثلاث سنواتٍ , وجعل بعضهم تحديد المدّة لاجتهاد الحاكم بحسب العرف والعادة .

والمتحجّر إذا مات قبل نهاية المدّة المحدّدة لاحتجاره , فهل يسقط حقه بموته , أم أنّه ينتقل في بقيّة المدّة إلى ورثته ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت