فهرس الكتاب

الصفحة 1873 من 2053

وإن كان الميّت ربّ الشّجر , لم تفسخ المساقاة , ويستمر العامل في عمله , ويجب على ورثة ربّ المال تمكينه من العمل والاستمرار فيه وعدم التّعرض له , وبعد تمام العمل يأخذ حصّته من الثّمر بحسب ما اشترط في العقد .

القول الثّاني: للحنفيّة , وهو أنّ المساقاة تبطل بالموت , أي بموت ربّ الشّجر أو العامل , قبل بدء العمل أو في أثنائه , لأنّها في معنى الإجارة , وهذا هو الأصل عندهم .

ثمّ فصَّلوا في المسألة فقالوا: إذا قام العامل برعاية وسقاية الشّجر , ولقّحه حتّى صار بسرًا أخضر , ثمّ مات صاحب الشّجر , فإنّ المساقاة تنتقض بينهما في القياس , ولكن للعامل - استحسانًا - أن يقوم برعاية الشّجر حتّى يدرك الثّمر , وإن كره ذلك ورثة ربّ الشّجر , لأنّ في انفساخ العقد بموت ربّ الشّجر إضرار بالعامل وإبطالًا لما كان مستحقًا له بالعقد , وهو ترك الثّمار على الأشجار إلى وقت الإدراك , وإذا انتقض العقد فإنّه يكلّف الجذاذ قبل الإدراك, وفي ذلك ضرر بالغٌ عليه , ولهذا لا تبطل المساقاة بموت ربّ الشّجر في الاستحسان , فإن أبى العامل أن يستمرّ في عمل الشّجر وأصرّ على قطعه وأخذه بسرًا انتقض العقد , لأنّ إبقاء العقد تقديرًا إنّما كان لدفع الضّرر عنه , فإذا رضي التزام الضّرر كان له ما اختار , غير أنّه لا يملك إلحاق الضّرر بورثة ربّ الشّجر , فيثبت لهم الخيار على النّحو التّالي:

أ - أن يقسموا البسر على الشّرط المنصوص عليه في العقد الّذي كان بين مورّثهم والعامل. ب - أن يعطوا العامل قيمة نصيبه من البسر .

ج - أن ينفقوا على البسر حتّى يبلغ , فيرجعوا بذلك في حصّة العامل من الثّمر .

وأمّا إذا مات عامل المساقاة في هذه الحالة فإنّ العقد لا يبطل بموته استحسانًا ويكون لورثته أن يقوموا مقامه في تعهد الشّجر ورعايته , وإن كره رب الشّجر , لأنّهم قائمون مقامه , إلّا أن يقول الورثة: نحن نأخذه بسرًا , وطلبوا نصيب مورّثهم من البسر , ففي هذه الحالة يكون لصاحب الشّجر من الخيار مثل ما قدّمنا , وهو ما يكون لورثته إذا أبى العامل أن يستمرّ في القيام على الشّجر .

وأمّا إذا ماتا جميعًا , كان الخيار في القيام عليه لورثة العامل , لأنّهم يقومون مقامه , وقد كان له في حياته هذا الخيار إذا مات صاحب الشّجر , فكذلك يكون لورثته بعد موته , فإن أبوا ذلك كان الخيار لورثة ربّ الشّجر على ما قدّمنا في الوجه الأوّل .

القول الثّالث: للحنابلة على المذهب , وهو أنّ المساقاة تنفسخ بموت أحد العاقدين , فإذا مات العامل أو رب الشّجر انفسخت المساقاة , كما لو فسخها أحدهما , بناءً على قولهم إنّ عقد المساقاة من العقود الجائزة من الطّرفين .

ومتى انفسخت المساقاة بموت أحدهما بعد ظهور الثّمرة , فهي بينهما على ما شرطاه في العقد , ويلزم العامل أو وارثه إتمام العمل , فإن ظهرت , ثمرة أخرى بعد الفسخ فلا شيء للعامل فيها , وإذا انفسخت المساقاة بموت أحدهما بعد شروع العامل في العمل وقبل ظهور الثّمرة , فله أجرة مثل عمله , ويقوم وارث العامل بعد موته مقامه في الملك والعمل , فإن أبى الوارث أن يأخذ ويعمل , لم يجبر , ويستأجر الحاكم من التّركة من يعمل , فإن لم تكن تركة , أو تعذّر الاستئجار منها بيع من نصيبه من الثّمر الظّاهر ما يحتاج إليه لتكميل العمل, واستؤجر من يعمله .

هـ - المزارعة:

71 -يرى الحنفيّة والحنابلة أنّ المزارعة تنفسخ بموت أحد العاقدين , سواء أكان العامل أم ربّ الأرض , بناءً على أنّ المزارعة من العقود الجائزة من الطّرفين عندهم .

وللحنفيّة تفصيل في المسألة حيث قالوا: إذا مات أحدهما قبل الزّراعة , فإنّ المزارعة تنفسخ , إذ ليس في ذلك إبطال مال على المزارع , ولا شيء له بمقابلة ما عمل .

أمّا إذا مات أحدهما بعد الزّراعة فإنّ المزارعة تبقى استحسانًا , وذلك لدفع ما يصيب أحدهما من ضرر , والقياس أنّها تبطل , ولكن تبقى حكمًا إلى حصد الزّرع .

وقد ذكر الكاساني: أنّ صاحب الأرض إذا مات والزّرع بقل , فإنّ العمل يكون على المزارع خاصّةً , لأنّ العقد وإن كان قد انفسخ حقيقةً لوجود سببه وهو الموت , إلّا أنّنا أبقيناه تقديرًا دفعًا للضّرر عن المزارع , لأنّه لو انفسخ لثبت لصاحب الأرض حق القلع , وفيه ضرر بالمزارع , فجعل ذلك عذرًا في بقاء العقد تقديرًا , فإذا بقي العقد كان العمل على المزارع خاصّةً كما كان قبل الموت .

وأمّا إذا مات المزارع والزّرع بقل , فلورثته أن يعملوا على شرط المزارعة , وإن أبى ذلك صاحب الأرض , لأنّ في القطع ضررًا بهم ولا ضرر بصاحب الأرض في التّرك إلى وقت الإدراك , وإن أراد الورثة قلع الزّرع وترك العمل , لم يجبروا عليه , لأنّ العقد قد انفسخ حقيقةً , إلّا أنّا أبقيناه باختيارهم نظرًا لهم , فإن امتنعوا عن العمل بقي الزّرع مشتركًا , ويخيّر صاحب الأرض: إمّا أن يقسمه بالحصص , أو يعطيهم قيمة حصصهم من الزّرع البقل , أو أن ينفق على الزّرع من مال نفسه إلى وقت الحصاد ثمّ يرجع عليهم بحصصهم , لأنّ في ذلك رعايةً للجانبين .

و - الحوالة:

72 -اختلف الفقهاء في تأثير موت المحال عليه أو المحيل في عقد الحوالة على الالتزامات النّاشئة عن تلك المعاقدة إذا مات أحدهما قبل استيفاء دين الحوالة , وذلك على النّحو التّالي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت