وقال بعضهم تتميمًا لقول ابن عبد السّلام بأنّه يوقف للمسلم ما صار له في المحاصّة حتّى يأتي وقت الإبّان , فيشترى له ما أسلم فيه , فإن نقص عن ذلك أتبع بالقيمة ذمّة الميّت إن طرأ له مال , وإن زاد لم يشتر له إلّا قدر حقّه , وتترك البقيّة إلى من يستحق ذلك من وارث أو مديان .
وقال الشّافعيّة في الأصحّ: إذا كان المسلم فيه موجودًا في الأسواق فيجب تحصيله وتسليمه لربّ السّلم وإن غلا وزاد على ثمن مثله , أمّا إذا لم يكن موجودًا فيها , فيثبت للمسلم الخيار بين الفسخ والصّبر حتّى يوجد المسلم فيه دفعًا للضّرر , ولا ينفسخ العقد - كما لو أفلس المشتري بالثّمن - لأنّ المسلم فيه يتعلّق بالذّمّة , وهي باقية , والوفاء في المستقبل ممكن , والقول الآخر عند الشّافعيّة ينفسخ العقد كما لو تلف المبيع قبل القبض . القول الثّاني: للحنابلة في المعتمد , وهو أنّ الأجل لا يحل بموت المدين إذا وثّقه الورثة أو غيرهم برهن أو كفيل مليء على أقلّ الأمرين من قيمة التّركة أو الدّين , ولا يوقف شيء من تركة المسلم إليه لأجل دين السّلم .
فإن لم يوثق بذلك حلّ , لأنّ الورثة قد لا يكونون أملياء , ولم يرض بهم الغريم , فيؤدّي ذلك إلى فوات الحقّ .
ج - الإجارة:
69 -اختلف الفقهاء في تأثير موت المؤجّر في إجارة الأعيان والأجير في إجارة الأعمال على ما التزم به في عقد الإجارة , وذلك على قولين:
القول الأوّل: للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة , وهو أنّ ما التزم به المؤجّر لا يبطل بموته , لأنّ الإجارة لا تنفسخ بالموت , بل تبقى على حالها , لأنّها عقد لازم فلا ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه , ولذلك تبقى العين عند المستأجر حتّى يستوفي منها ما تبقّى له من المنفعة , وليس لورثة المؤجّر أن يمنعوه من الانتفاع بها , وهو قول إسحاق والبتّيّ وأبي ثور وابن المنذر .
وأمّا ما التزم به الأجير من العمل: فإمّا أن يكون مرتبطًا بعينه وذاته , كما إذا قال له: استأجرتك أو اكتريتك لتعمل كذا أو لكذا أو لعمل كذا , أو يكون مرتبطًا بذمّة الأجير , كما إذا استأجره لأداء عمل معيّن يلزم ذمّته , مثل أن يلزمه بحمل كذا إلى مكان كذا أو خياطة كذا دون أن يشترط عليه مباشرته بنفسه , وذلك ما يسمّى في الاصطلاح الفقهيّ بإجارة الذّمّة . فإن كان الالتزام مرتبطًا بعين الأجير وذاته , فإنّه يسقط وينتهي بموت الأجير لانفساخ عقد الإجارة بموته نظرًا لفوات محلّ المنفعة المعقود عليها واستحالة إكمال تنفيذ العقد فيما يتعلّق بالمدّة المتبقّية , أمّا فيما مضى من الزّمن فلا يسقط حق الأجير فيما يقابله من أجر , وذلك لاستقراره بالقبض .
وأمّا إذا كان الالتزام موصوفًا في ذمّة الأجير , فإنّه لا يسقط بموته , وينظر: إن كان له تركة أستؤجر منها من يقوم بإكمال وتوفية التزامه , لأنّه دين عليه . وإن لم يكن له تركة , ولم يرغب ورثته في إتمام ذلك العمل الموصوف في ذمّته ليستحقوا الأجر , فإنّه يثبت ما للمستأجر حق الفسخ لموت الملتزم مفلسًا .
القول الثّاني: للحنفيّة والثّوريّ واللّيث وهو أنّ الإجارة تنفسخ بموت المؤجّر لأعيانه والأجير على عمله , سواء مات قبل تنفيذ العقد أو في أثنائه , لأنّ استيفاء المنفعة على ملك المؤجّر يتعذّر بالموت , فينفسخ العقد ضرورةً , وينتهي التزام كل من المؤجّر والأجير. غير أنّ الحنفيّة استثنوا بعض الحالات الخاصّة , وقالوا إنّ الإجارة فيها لا تنفسخ بموت المؤجّر ضرورةً , وهي:
أ - إذا مات المؤجّر قبل انقضاء المدّة , وفي الأرض المستأجرة زرع بقل , أي لم ينضج بعد , فيبقى العقد ولا ينفسخ بموته حتّى يدرك الزّرع , ويكون الواجب عندئذٍ الأجر المسمّى إلى نهاية مدّة العقد , وبعد انقضاء المدّة أجر المثل حتّى يدرك .
ب - إذا استأجر دابّةً إلى مكان معيّن , فمات صاحب الدّابّة وسط الطّريق , فإنّ للمستأجر أن يركب الدّابّة إلى المكان المسمّى بالأجر إذا لم يجد دابّةً أخرى يصل بها أو لم يكن هناك ثمّة قاض يرفع الأمر إليه , ولا ينفسخ العقد بموت صاحب الدّابّة .
وانظر التّفصيل في ( إجارة ف / 59 - 72 ) .
د - المساقاة:
70 -اختلف الفقهاء في تأثير الموت على الالتزامات المترتّبة على عقد المساقاة , سواء في ذلك ما التزم به صاحب الشّجر أو النّخل بتمكين العامل من القيام بسقيه وإصلاحه , أو ما التزم به العامل من تعهد الشّجر وعمل سائر ما يحتاج إليه , وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: للمالكيّة والشّافعيّة وبعض الحنابلة , وهو أنّ عقد المساقاة لا ينفسخ بموت أحد طرفيه , سواء كان ذلك قبل بدء العمل أو في أثنائه , لأنّه عقد لازم , فأشبه الإجارة , ويقوم الوارث مقام الميّت منهما . وعلى ذلك .
فإن كان الميّت عامل المساقاة , كان لورثته أن يقوموا مقامه في إتمام العمل إذا كانوا عارفين بالعمل أمناء , ويلزم المالك أو ورثته تمكينهم من العمل إن كانوا كذلك . فإن أبى الورثة القيام بذلك العمل لم يجبروا عليه , لأنّ الوارث لا يلزمه من الحقوق الّتي على مورثه إلّا ما أمكن أداؤه من تركته , والعمل هاهنا ليس من هذا القبيل , وفي هذه الحالة يستأجر الحاكم من التّركة من يقوم بالعمل , لأنّه دين على الميّت , فأشبه سائر الديون , فإن لم يكن هناك تركة , ولم يتبرّع الورثة بالوفاء , فلربّ المال الفسخ , لتعذر استيفاء المعقود عليه , كما لو تعذّر ثمن المبيع قبل قبضه .