66 -لم يختلف الفقهاء في أنّ البيع متى لزم , فإنّ ما ينشأ عنه من التزام على أحد العاقدين تجاه الآخر لا يسقط ولا يبطل بموته , فإذا مات البائع قام ورثته بإيفاء ما عليه من التزاماتٍ تجاه المشتري , وإذا مات المشتري قام ورثته بتنفيذ ما عليه من واجباتٍ والتزاماتٍ تجاه البائع , وذلك في حدود ما ترك .
قال ابن قدامة: وإن مات المتبايعان , فورثتهما بمنزلتهما , لأنّهم يقومون في أخذ مالهما وإرث حقوقهما , فكذلك ما يلزمهما أو يصير لهما .
وللتّفصيل ( ر: عقد ف /61 ) .
67 -وقد استثنى الفقهاء من ذلك ما إذا مات أحد العاقدين مفلسًا , وأوردوا تفصيلًا في أثر ذلك على الالتزامات النّاشئة عن عقد البيع , وإن كان بينهم ثمّة اختلاف في الفروع والجزئيّات , وبيان ذلك فيما يلي:
أ - إذا اشترى شخص شيئًا , ثمّ مات مفلسًا بعد أداء ثمنه للبائع , فالمبيع ملكه خاصّةً , سواء قبضه من البائع أو لم يقبضه , وهذا باتّفاق الفقهاء .
ب - أمّا إذا مات مفلسًا قبل تأدية الثّمن , فينظر:
فإن لم يكن المشتري قد قبض المبيع , فقال الحنفيّة: للبائع أن يحبسه حتّى يستوفي ثمنه من تركة المشتري أو يبيعه القاضي ويؤدّي للبائع حقّه من ثمنه , فإن زاد الثّمن عن حقّ البائع يدفع الزّائد لباقي الغرماء , وإن نقص عن حقّ البائع أخذ البائع الثّمن الّذي بيع به , ويكون في الباقي أسوة الغرماء .
وقال المالكيّة: يكون البائع أحقّ به أي أنّ له فسخ العقد واستيفاء المبيع لنفسه .
أمّا إذا كان المشتري قد قبض المبيع , فهل يكون للبائع أن يستردّه فيحبسه إن كان باقيًا بعينه , ويكون أحقّ به من غيره من أرباب الحقوق على المشتري كما لو كان باقيًا في يده, أم يصير البائع بقبض المشتري له قبل موته مثل باقي الغرماء ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأوّل: للحنفيّة والمالكيّة والحنابلة , وهو أنّه ليس للبائع بعد أن قبض المشتري المبيع استرداده , بل يكون أسوة الغرماء , فيقسمونه , جميعًا , واحتجوا على ذلك بما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « أيما رجل باع متاعًا فأفلس الّذي ابتاعه , ولم يقبض الّذي باعه من ثمنه شيئًا , فوجد متاعه بعينه فهو أحق به , وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء » .
القول الثّاني: للشّافعيّة وهو أنّ البائع بالخيار: إن شاء ترك المبيع وضارب الغرماء بثمنه, وإن شاء استردّه , وكان أحقّ به من سائر الغرماء وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى: أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه » .
ج - أمّا إذا مات البائع مفلسًا بعد قبض الثّمن وقبل تسليم المبيع للمشتري , ففي هذه الحالة نصّ الحنفيّة والمالكيّة على أنّ المشتري يكون أحقّ بالمبيع من سائر الغرماء , لأنّه ليس للبائع حق حبسه في حياته , بل للمشتري جبره على تسليمه إليه ما دامت عينه قائمةً, فيكون له أخذه بعد موت البائع أيضًا , إذ لا حقّ للغرماء , فيه بوجه , لأنّه أمانة عند البائع - وإن كان مضمونًا بالثّمن لو هلك عنده - وعلى هذا كان له أخذه إن كانت عينه باقيةً أو استرداد ثمنه إن كان قد هلك عند البائع أو عند ورثته .
وانظر مصطلح ( إفلاسٌ ف / 37 ) .
ب - السَّلَم:
68 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ ربّ السّلم إذا مات بعد تأدية رأس مال السّلم فإنّ المسلم فيه يكون دينًا له في ذمّة المسلم إليه , ويقوم ورثته مقامه في استيفائه منه كسائر ديونه المؤجّلة .
ولكن إذا مات المسلم إليه قبل حلول زمن الوفاء , فهل يبطل الأجل بموته , ويحل دين السّلم, أم أنّه يبقى كما هو إلى وقته ؟ اختلف الفقهاء في ذلك قولين:
القول الأوّل: لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة , وهو أنّ الأجل يبطل بموت المسلم إليه , ويحل دين السّلم , ويلزم تسليمه من تركته حالًا إلى ربّ السّلم إذا كان موجودًا .
أمّا إذا لم يكن متوفّرًا في وقت الحلول الطّارئ بموت المسلم إليه فقد اختلفوا: هل يفسخ عقد السّلم لذلك أم لا ؟ وعلى تقدير عدم الفسخ , هل توقف قيمة المسلم فيه من التّركة إلى الوقت الّذي يوجد فيه عادةً أم لا ؟
فقال الحنفيّة: يؤخذ من التّركة حالًا لأنّ من شروط صحّة السّلم وجود المسلم فيه في الأسواق من وقت العقد إلى محلّ الأجل عندهم , وذلك لتدوم القدرة على تسليمه , إذ لو لم يشترط ذلك , ومات المسلم إليه قبل أن يحلّ الأجل , فربّما يتعذّر تسليم المسلم فيه , فيئُول ذلك إلى الغرر .
وقال المالكيّة: إنّ المسلم فيه يحل بموت المسلم إليه كما هو الشّأن في حلول سائر الديون المؤجّلة بموت المدين , وفي هذه الحالة فإنّ المسلم فيه يجب تسليمه من التّركة , إلّا أنّه إذا كان موت المسلم إليه قبل محلّ أجله , ولم يكن المسلم فيه موجودًا في الأسواق , فإنّه يوقف تقسيم التّركة إلى الوقت الّذي يغلب وجوده فيه .
قال الحطّاب: إذا مات المسلم إليه قبل وقت الإبّان , أي وقت وجود المسلم فيه عادةً , فإنّه يجب وقف قسم التّركة إليه .
وقال ابن رشد: إنّما يوقف إن خيف أن يستغرق المسلم فيه كلّ التّركة , فإن كان أقلّ من التّركة وقف قدر ما يرى أن يفي بالمسلم فيه , وقسم ما سواه , وهذا خلافًا لما يراه أشهب, فإنّه يرى أنّ القسم لا يجوز إذا كان على الميّت دين , وإن كان يسيرًا .
وقال ابن عبد السّلام: إن كان على المسلم إليه ديون أخرى قسمت التّركة عليه , ويضرب للمسلم قيمة المسلم فيه في وقته على ما يعرف في أغلب الأحوال من غلاء ورخصٍ .