فهرس الكتاب

الصفحة 1870 من 2053

واستدلوا على ذلك بما روى بريدة رضي الله عنه « أنّ امرأةً أتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ أمّي ماتت ولم تحجّ قط , أفأحج عنها , قال: حجّي عنها » ، وما ورد عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما « أنّ رجلًا قال: يا رسول اللّه إنّ أبي مات ولم يحجّ , أفأحج عنه ؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين , أكنت قاضيه ؟ قال: نعم . قال: فدين اللّه أحق » , وأيضًا بأنّ الحجّ حقٌّ مستقر عليه , وقد لزمه في حال الحياة , وهو حق تدخله النّيابة , فلم يسقط بالموت كدين الآدميّ .

ب - الصّلاة الواجبة:

62 -اتّفق الفقهاء علّ أنّ من مات وعليه صلاة واجبة , سقطت عنه في أحكام الدنيا بموته , لأنّ الصّلاة عبادة بدنيّة محضة , فلا ينوب أحد عن الميّت في أدائها , لأنّ المقصود من العبادات - كما يقول الشّاطبيّ - الخضوع للّه والتّوجه إليه والتّذلل بين يديه والانقياد تحت حكمه وعمارة القلب بذكره , حتّى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع اللّه ومراقبًا له غير غافل عنه , وأن يكون ساعيًا في مرضاته وما يقرّب إليه على حسب طاقته , والنّيابة تنافي هذا المقصود وتضاده , لأنّ معنى ذلك أن لا يكون العبد عبدًا ولا المطلوب بالخضوع والتّوجه خاضعًا ولا متوجّهًا إذا ناب عنه غيره في ذلك , وإذا قام غيره في ذلك مقامه , فذلك الغير هو الخاضع المتوجّه , والخضوع والتّوجه ونحوهما إنّما هو اتّصاف بصفات العبوديّة , والاتّصاف لا يعدو المتّصف به ولا ينتقل عنه إلى غيره .

غير أنّ الحنفيّة قالوا: إذا أوصى من عليه صلوات فائتة بالكفّارة , فيلزم وليّه - وهو من له ولاية التّصرف في ماله بولاية أو وراثة - أن يعطي عنه لكلّ صلاة نصف صاع من بر كالفطرة , وذلك من ثلث ماله كسائر الوصايا , فإن لم يوص بذلك سقطت عنه تلك الصّلوات في حقّ أحكام الدنيا للتّعذر , وقال بعض الشّافعيّة - على خلاف المشهور في المذهب - يطعم الولي عن كلّ صلاة فائتة مدًا .

ج - الصّوم الواجب:

63 -الصّوم الواجب شرعًا على صنوف , فمنه ما يجب محدّدًا بزمان معيّن , كصوم شهر رمضان من كلّ عام , ومنه ما يجب بناءً على اعتباراتٍ أخرى كصوم الكفّارات بأنواعها - ككفّارة اليمين والظّهار - وصوم جزاء الصّيد والحلق والمتعة في الحجّ , ومنه ما يجب على سبيل البدل , كقضاء رمضان , ومنه ما يجب بغير ذلك .

وقد ذهب أكثر أهل العلم - كما قال ابن قدامة - إلى أنّ من وجب عليه الصّوم بأحد الأسباب المشار إليها , فلم يتمكّن من أدائه إمّا لضيق الوقت , أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصّوم , ودام عذره إلى أن مات , فلا شيء عليه شرعًا , ولا يجب على ورثته صيام ولا في تركته إطعام , ولا غير ذلك .

64 -أمّا إذا كان متمكّنًا من الصّيام , لكنّه لم يؤدّه حتّى مات , فقد اختلف الفقهاء في سقوطه عنه بالموت على قولين .

القول الأوّل: للحنفيّة والشّافعيّة في الجديد والمالكيّة والحنابلة , وهو أنّ من مات وعليه صوم رمضان أو كفّارة أو نحوهما من الصّوم الواجب , سقط عنه الصّوم في الأحكام الدنيويّة , فلا يلزم وليّه أن يصوم عنه , لأنّ فرض الصّيام جار مجرى الصّلاة , فلا ينوب أحد عن أحد فيه .

وقد اختلف أصحاب هذا الرّأي فيما يجب على الوليّ في هذه الحالة على مذهبين .

المذهب الأوّل: للحنفيّة والمالكيّة , وهو أنّه لا يجب على الوليّ أو الورثة أن يطعموا عنه شيئًا إلّا إذا أوصى بذلك , فإن أوصى به , فإنّه يخرج من ثلث التّركة كسائر الوصايا . المذهب الثّاني: للحنابلة والشّافعيّة في المشهور من المذهب , وهو أنّه يجب على الوليّ أن يطعم عنه لكلّ يوم مسكينًا , سواء أوصى بذلك أو لم يوص , وهو مرويّ عن عائشة وابن عبّاسٍ رضي الله عنهم وبه قال اللّيث والأوزاعي والثّوري وابن عليّة وأبو عبيد وغيرهم . والقول الثّاني: للشّافعيّ في القديم , وهو أنّ من مات وعليه صوم واجب , صام عنه وليه على سبيل الجواز دون اللزوم , مع تخيير الوليّ بين الصّيام عنه وبين الإطعام .

واحتجوا على ذلك بما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « من مات وعليه صيام صام عنه وليه » ، وما روى بريدة رضي الله عنه « أنّ امرأةً أتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ أمّي ماتت , وكان عليها صوم شهر, أفأصوم عنها ؟ قال: صومي عنها » ، وما روى ابن عبّاسٍ رضي الله عنه قال: « جاء رجل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إنّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر , أفأقضيه عنها ؟ فقال: لو كان على أمّك دين أكنت قاضيه عنها ؟ قال: نعم . قال: فدين اللّه أحق أن يقضى » .

أثر الموت على الالتزامات الثّابتة باختيار المكلّف:

الالتزام الاختياري للمكلّف هو ما يثبت بإرادته واختياره , وهذا الالتزام قد يكون أثرًا لتعاقد وارتباط تمّ بين إرادة شخصين , وقد يكون أثرًا لعهد قطعه على نفسه بإرادته المنفردة .

أوّلًا - الالتزامات العقديّة الّتي تنشأ بإرادة طرفين:

65 -ومنشأ هذه الالتزامات العقد , الّذي هو عبارة عن ارتباط الإيجاب الصّادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجهٍ يثبت أثره في المعقود عليه .

والالتزامات النّاشئة عن العقود على ثلاث أقسام , التزامات , ناشئة عن عقود لازمة من الجانبين , والتزامات ناشئة عن عقود جائزة"غير لازمة"من الجانبين , والتزامات ناشئة عن عقود لازمة من جانب واحد , وبيان ذلك فيما يلي:

القسم الأوّل: العقود اللّازمة من الجانبين:

أ - البيع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت