57 -اتّفق الفقهاء على وجوب نفقة الزّوجة على زوجها متى سلّمت نفسها إليه على الوجه المطلوب شرعًا ولم تكن ناشزًا .
ولكنّهم اختلفوا في ثبوتها دينًا في ذمّته إن لم يؤدّها إليها , ووجوبها في تركته إذا مات قبل الأداء , أو سقوطها بالموت قبله , وذلك على ثلاثة أقوال:
الأوّل: للشّافعيّة والحنابلة , وهو أنّ نفقة الزّوجة تكون على زوجها - حتّى لو كان معسرًا - إذا لم تمنعه تمتعًا مباحًا , وتجب دينًا في ذمّته لها إذا لم يقم بواجب الإنفاق عليها, وإن لم يصدر بها قضاء قاض , ومن ثمّ فإنّها لا تسقط بموت الزّوج قبل الأداء إليها, بل تؤخذ من تركته كسائر الديون المستقرّة .
الثّاني: للحنفيّة , وهو أنّ النّفقة الواجبة على الزّوج لزوجته لا تصير دينًا واجبًا في ذمّته إلّا بالتّراضي أو بقضاء القاضي .
وعلى ذلك فإن قضى بها القاضي وأمر الزّوجة بالاستدانة على الزّوج , ففعلت , فإنّ دين النّفقة هذا لا يسقط بموت الزّوج قبل أدائه إليها .
أمّا إذا قضى بها , ولم يأمرها بالاستدانة , فإنّها تسقط بموته , لأنّها صلة , والصّلات تسقط بالموت قبل التّسليم .
الثّالث: للمالكيّة , وهو أنّ النّفقة الواجبة على الزّوج لزوجته لا تلزمه في حال إعساره , وما أنفقته الزّوجة على نفسها في تلك الفترة لا ترجع عليه بشيء منه , وإذا مات الزّوج على هذه الحال , فلا يجب لها في تركته شيء من النّفقة عن تلك المدّة , لأنّها كانت ساقطةً عنه خلالها .
أمّا إذا كان موسرًا , فإنّ ما تجمّد عليه من نفقة الزّوجة في زمن اليسار , يكون ثابتًا في ذمّته كسائر الديون , ولو لم يفرضه قاض , ولا يسقط بموته قبل أدائه , بل يؤخذ من تركته كسائر ديون العباد , وتحاصص الزّوجة فيه سائر الغرماء .
ز - نفقة الأقارب:
58 -اختلف الفقهاء في ثبوت نفقة الأقارب دينًا في ذمّة من وجبت عليه لمن ثبتت له , ووجوبها في تركته إذا مات قبل أدائها لمستحقّها , وذلك على قولين:
أحدهما: للحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة , وهو أنّ نفقة الأقارب تسقط بموت من وجبت عليه قبل أدائها لمستحقّها , لأنّها صلة , والصّلات تبطل بالموت قبل التّسليم , إلّا إذا فرضها القاضي وأمر باستدانتها عليه , ففعل المستحق , فعندئذٍ تصير دينًا في ذمّة من لزمته , ولا تسقط بموته قبل الأداء , بل تؤخذ من تركته كسائر ديون العباد , حيث إنّها تأكّدت بفرض الحاكم وأمره بالاستدانة .
الثّاني: للمالكيّة , وهو أنّ متجمّد نفقة الأقارب يسقط بموت من لزمته قبل أدائها إلّا إذا حكم بها حاكم , أو أنفق شخص على من وجبت له غير قاصد التّبرع عليها بها , وكان من وجبت عليه موسرًا , فعندئذٍ تصير دينًا في ذمّته , ولا تسقط بموته قبل الأداء , بل تؤخذ من تركته كسائر الديون الثّابتة للآدميّين .
ح - الدّية الواجبة على العاقلة:
59 -اتّفق الفقهاء على أنّ دية القتل الخطأ تجب على العاقلة منجّمةً على ثلاث سنين . ولكنّهم اختلفوا فيما إذا مات أحد ممّن وجبت عليه من العاقلة قبل الأداء , فهل تسقط عنه , أم تكون دينًا في تركته , وذلك على ثلاثة أقوال:
الأوّل: للشّافعيّة والحنابلة , وهو أنّ من مات من العاقلة بعد الحول وكان موسرًا , استقرّت الدّية عليه , وأخذت من تركته مقدّمةً على الوصايا والميراث , وأمّا إذا مات في أثناء الحول , أو مات معسرًا , فلا يلزمه شيء منها .
الثّاني: لأبي حنيفة وهو أنّ من مات من العاقلة قبل الحول أو بعده , فلا يجب في تركته شيء ممّا ضرب عليه من الدّية , وذلك لأنّه إن مات قبل الحول , فلا شيء عليه , إذ هي مال يجب في آخر الحول على سبيل المواساة , فأشبه الزّكاة , وإن مات بعد الحول , فلا يلزمه شيء أيضًا , لأنّه بالموت خرج عن أهليّة الوجوب .
الثّالث: للمالكيّة , وهو أنّ ما ضرب على فرد من العاقلة , وكان مستوفيًا لشروطه حين لزمه , فإنّه لا يسقط بموته , بل يكون دينًا يقضى من تركته , وحتّى ما كان مؤجّلًا منه , فإنّه يحل بموته .
ط - الفعل الضّار:
60 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من ألحق بغيره ضررًا يستوجب ضمانًا ماليًّا , فإنّه يكون دينًا في ذمّته , فإذا مات قبل تأديته , فإنّه لا يسقط بوفاته , بل يجب في تركته مقدّمًا على الوصايا والمواريث , سواء أوصى به أو لم يوص , كسائر ديون الآدميّين .
وللتّفصيل أنظر مصطلح ( دين ف / 20 ) .
ثانيًا - الالتزامات غير الماليّة:
أ - الحج الواجب:
61 -اختلف الفقهاء فيمن مات بعد ما وجب عليه الحج , ولم يحجّ بعد التّمكن من أدائه , هل يسقط عنه الحج بموته أم لا ؟ وذلك على قولين:
أحدهما: للحنفيّة وهو المذهب عند المالكيّة , وهو أنّه يسقط عنه الحج بموته في الأحكام الدنيويّة , ولا يلزم ورثته , ولا يؤخذ من تركته شيء لأجل الحجّ عنه , إلّا إذا أوصى بذلك, فحينئذٍ ينفذ في حدود الثلث كسائر الوصايا , وهو قول الشّعبيّ والنّخعيّ .
وحجّتهم على ذلك أنّ العبادات لا ينوب فيها أحد عن أحد , فلا يصلّي شخص عن آخر , وكذلك الحج , وهو مدلول قوله عزّ وجلّ: { وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } .
أمّا من أمر بالحجّ عنه أو أوصى به , فإنّه يكون له فيه سعيٌ .
والثّاني: للشّافعيّة والحنابلة , وهو أنّ الحجّ لا يسقط عنه بالموت , ويجب قضاؤه من جميع تركته , أوصى بذلك أو لم يوص , وعلى ذلك فيلزم وارثه أن يحجّ عنه من تركته , أو يستأجر من يحج عنه إن كان له تركة .
أمّا إذا لم يترك شيئًا , فإنّ الحجّ يبقى في ذمّته ولا يلزم وارثه , شيء , وهو قول الحسن وطاووسٍ .