75 -الكفالة عند الفقهاء نوعان: كفالة بالمال , وكفالة بالنّفس , ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ المكفول له"ربّ الحقّ"إذا مات , فإنّ الكفالة لا تسقط , سواء أكانت كفالةً بالمال أو بالنّفس , وينتقل الحق إلى ورثته كسائر الحقوق الموروثة , فيقومون مقامه في المطالبة بالدّين أو بتسليم المكفول به .
أمّا عن أثر موت الكفيل في بطلان عقد الكفالة فيفرّق فيه بين الكفالة بالمال والكفالة بالنّفس, وبيان ذلك فيما يلي:
أ - الكفالة بالمال:
76 -ذهب الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ التزام الكفيل بأداء المال فيها لا يسقط بموته , بل يؤخذ من تركته , لأنّ ماله يصلح للوفاء بذلك , فيطالب به وصيه أو وارثه لقيامه مقام الميّت .
وإذا كان الدّين المكفول به مؤجّلًا , فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وأحمد في رواية عنه إلى أنّه يحل بموت الكفيل , ويؤخذ من تركته حالًا . ولكنّ ورثته لا ترجع على المكفول عنه إلّا بعد حلول الأجل , لأنّ الأجل باق في حقّ المكفول لبقاء حاجته إليه .
وخالفهم في ذلك الحنابلة على المعتمد في المذهب فقالوا: لا يحل الدّين المكفول به المؤجّل بموت الكفيل إذا وثّقه الورثة برهن أو كفيل مليء لأنّ التّأجيل حق من حقوق الميّت , فلم يبطل بموته كسائر حقوقه .
ب - الكفالة بالنّفس:
77 -اختلف الفقهاء في تأثير موت الكفيل على التزامه بإحضار المكفول به على قولين: القول الأوّل: للمالكيّة والحنابلة والكرخيّ من الحنفيّة , وهو أنّ التزام الكفيل بإحضار المكفول به لا يسقط بموته , ولا تبرأ ذمّته بذلك , فيطالب ورثته بإحضاره , فإن لم يقدروا أو تعذّر ذلك أخذ من التّركة قدر الدّين الّذي على المكفول به .
القول الثّاني: للحنفيّة والشّافعيّة , وهو أنّ الكفالة تبطل بموت الكفيل , لأنّ تسليم الكفيل المطلوب بعد موت الكفيل لا يتحقّق منه , ولا تتوجّه المطالبة بالتّسليم على ورثته , لأنّهم لم يكفلوا له بشيء , وإنّما يخلفونه فيما له لا فيما عليه . ثمّ إنّه لا شيء للمكفول له في تركته, لأنّ ماله لا يصلح لإيفاء ذلك الواجب .
78 -أمّا إذا مات المكفول به - في الكفالة بالنّفس - فإنّ الكفالة تسقط عن الكفيل , ولا يلزم بشيء , لأنّ النّفس المكفولة قد ذهبت , فعجز الكفيل عن إحضارها , ولأنّ الحضور قد سقط عن المكفول , فبرئ الكفيل تبعًا لذلك , لأنّ ما التزمه من أجله سقط عن الأصل فبرئ الفرع , كالضّامن إذا قضى المضمون عنه الدّين أو أبرئ منه , وبذلك قال جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وشريح والشّعبيّ وحمّاد بن أبي سليمان . وخالفهم في ذلك اللّيث والحكم فقالوا: يجب على الكفيل غرم ما عليه , لأنّ الكفيل وثيقة بحقّ , فإذا تعذّرت من جهة من عليه الدّين , أستوفي من الوثيقة كالرّهن , ولأنّه تعذّر إحضاره , فلزم كفيله ما عليه , كما لو غاب .
القسم الثّالث: العقود غير اللّازمة من الجانبين:
وتشمل هذه العقود الهبة قبل القبض , والإعارة , والقرض , والوكالة , والشّركة , والمضاربة , وبيان ذلك فيما يلي:
أ - الهبة قبل القبض:
79 -اختلف الفقهاء في بطلان الهبة بموت الواهب قبل لزوم العقد بالقبض على قولين: أحدهما: للحنفيّة والمالكيّة وبعض الشّافعيّة وبعض الحنابلة , وهو أنّ الهبة تبطل بموت الواهب قبل القبض .
وعلّل ذلك الحنفيّة بانتقال الملك لوارث الواهب قبل تمامها .
وعلّله المالكيّة بأنّ الهبة نوع من التزام المعروف غير المعلّق على شيء , ولا يقضى بشيء من ذلك على الملتزم إذا أفلس أو مات قبل الحيازة .
وعلّله موافقوهم من الشّافعيّة والحنابلة في غير المعتمد بأنّه عقد جائزٌ , فبطل بموت أحد العاقدين , كالوكالة والشّركة .
والثّاني: للشّافعيّة والحنابلة في المذهب وهو أنّ الواهب إذا مات قبل قبض هبته لم ينفسخ عقد الهبة , لأنّه يئُول إلى اللزوم , فلم يبطل بالموت , كالبيع بشرط الخيار , ويقوم وارث الواهب مقام مورّثه في الإقباض والإذن فيه , وله الخيار في ذلك , فإن شاء أقبض , وأن شاء لم يقبض .
ب - الإعارة:
80 -ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى انفساخ عقد العارية بموت المعير , وانتهاء تبرعه بمنافعها للمستعير , ووجوب مبادرة المستعير إلى ردّ العارية لورثته .
وعلّل الشّافعيّة والحنابلة ذلك بأنّها عقد جائزٌ من الطّرفين , فتبطل بموت أي منهما , كالوكالة والشّركة .
ووجه البطلان عند الحنفيّة أنّ العين انتقلت إلى وارث المعير بموته , والمنفعة بعد هذا تحدث على ملكه , وإنّما جعل المعير للمستعير ملك نفسه لا ملك غيره .
وفصَّل المالكيّة في المسألة فقالوا: إنّ الإعارة معروف , والوفاء بها لازم , لأنّ من ألزم نفسه معروفًا لزمه , ويقضى عليه به ما لم يمت أو يفلس قبل الحيازة .
وعلى ذلك: فإذا كانت العارية مقيّدةً بعمل , كطحن إردب من القمح أو حمله على الدّابّة المستعارة إلى جهة ما كان حكمها اللزوم في حقّ المعير حتّى ينتهي العمل الّذي أستعيرت لأجله , وكذا إذا كانت مقيّدةً بزمن , كيوم أو شهر مثلًا , فإنّها تلزم في حقّه حتّى ينقضي الأجل المضروب للانتفاع بها .