أمّا إذا كانت مطلقةً - غير مقيّدة بعمل أو زمن - فإنّ العقد لا يكون لازمًا في حقّ المعير , وله أن يرجع فيها متى شاء . وحيث كان الحكم كذلك , فإذا مات المعير بعد قبض المستعير للعارية , وبقي في مدّتها , أو من الغرض المستعارة لأجله شيء , فلا تبطل الإعارة بموته, ولا ينتهي التزامه , وتبقى العين المعارة بيد المستعير حتّى ينتفع بها إلى نهاية العمل أو المدّة , أمّا إذا مات المعير قبل أن يقبض المستعير العارية فإنّ الإعارة تبطل بموته لعدم تمامها بالحيازة قبله .
ج - الوكالة:
81 -ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الوكالة تنفسخ بموت الموكّل أو الوكيل , وتبطل سائر الالتزامات المترتّبة عليها من الجانبين .
أمّا الموكّل: فلأنّ التّوكيل إنّما قام بإذنه , وهو أهل لذلك , فلمّا بطلت أهليّته بالموت بطل إذنه , وانتقل الحق لغيره من الورثة .
وأمّا الوكيل: فلأنّ أهليّته للتّصرف قد زالت بموته , وليس الوكالة حقًا له فتورث عنه . وقال البهوتيّ: لأنّ الوكالة تعتمد الحياة والعقل , فإذا انتفى ذلك انتفت صحّتها , لانتفاء ما تعتمد عليه , وهو أهليّة التّصرف .
واستثنى الحنفيّة من ذلك موت الموكّل في حالة الوكالة ببيع الرّهن إذا وكّل الرّاهن العدل أو المرتهن ببيع الرّهن عند حلول الأجل , فحينئذٍ لا تبطل الوكالة ولا ينعزل الوكيل بموت الموكّل .
واستثنى الحنابلة موت الموكّل إذا وكّل من يتصرّف لغيره , كوصيّ اليتيم وناظر الوقف , ففي هذه الحالة لا تبطل الوكالة بموته .
د - الشّركة:
82 -ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى انفساخ شركة العقد"بأنواعها"وبطلان الالتزامات النّاشئة عنها بموت أحد الشّريكين قال ابن قدامة: لأنّها عقد جائزٌ , فبطلت بذلك كالوكالة .
وقال الحنفيّة: وإنّما بطلت الشّركة بالموت لأنّها تتضمّن الوكالة , أي مشروطٌ ابتداؤها بها ضرورةً , فإنّه لا يتحقّق ابتداؤها إلّا بولاية التّصرف لكلّ منهما في مال الآخر , ولا تبقى الولاية إلّا ببقاء الوكالة .
هـ - المضاربة:
83 -لا خلاف بين الفقهاء في انفساخ عقد المضاربة وبطلان الالتزامات المترتّبة عليه بموت المضارب أو ربّ المال إذا كان مال المضاربة ناضًا"أي من جنس رأس مالها", وذلك لأنّ المضاربة تتضمّن الوكالة , والوكالة تنفسخ بموت أحد عاقديها ولا تورّث , فتتبعها المضاربة .
أمّا إذا كان المال عروضًا تجاريّةً , فقد اختلف الفقهاء في بطلان عقد المضاربة بموت أحدهما , وذلك على قولين:
أحدهما: لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة , وهو بطلان المضاربة بموت أحد العاقدين , فتباع السّلع والعروض حتّى ينضّ رأس المال جميعه , ويوزّع بين ورثة المتوفّى والطّرف الباقي .
والثّاني: للمالكيّة , وهو أنّ المضاربة لا تبطل بوفاة ربّ المال أو المضارب .
أمّا رب المال إذا مات فيخلفه ورثته في المال , ويبقى العامل على قراضه إذا أراد الورثة بقاءه , وإن أرادوا فسخ العقد وأخذ مالهم كان لهم ذلك بعد نضوضه .
وأمّا المضارب إذا مات فيخلفه ورثته في حقّ عمله في المضاربة , وليس لربّ المال أن ينتزعه منهم إذا أرادوا العمل فيه إلّا بعد أن يعملوا فيه بمقدار ما كان لمورّثهم .
و - الجعالة:
84 -فرّق الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة في تأثير الموت على الالتزام على الجعالة بين موت الجاعل وموت المجعول له , وذلك على النّحو التّالي:
موت الجاعل:
85 -ذهب الشّافعيّة والمالكيّة في المشهور إلى انفساخ الجعالة بموت الجاعل وبطلان التزامه فيها قبل شروع العامل"المجعول له في العمل".
وقال ابن حبيب وابن القاسم في ظاهر رواية عيسى عنه: لا يبطل الجعل بموت الجاعل , ويلزم ذلك ورثته , ولا يكون لهم أن يمنعوا المجعول له من العمل .
أمّا إذا مات الجاعل بعد أن فرغ من العمل فلا أثر لوفاته على التزامه , لأنّه قد تمَّ واستقرّ , ووجب للعامل الجعل في تركته .
ولو مات الجاعل بعد أن شرع العامل في العمل , ولكن قبل إتمامه , فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
أحدهما: للشّافعيّة , وهو بطلان الجعالة بموته , لأنّها من العقود الجائزة من الطّرفين إلّا أنّ العامل إذا أتمّ العمل بعد وفاته , فإنّه يستحق قسط ما عمله في حياته من المسمّى , ولا يستحق شيئًا في مقابلة ما عمله بعد موت الجاعل , لعدم التزام الورثة له به .
والثّاني: للإمام مالك - في رواية عليّ بن زياد وأشهب عنه - وهو أنّ الجعالة لا تبطل بموت الجاعل بعد أن شرع العامل في العمل , وتلزم ورثته , ولا يكون لهم أن يمنعوا المجعول له من العمل .
موت المجعول له:
86 -إذا مات العامل"المجعول له"قبل أن يشرع في العمل فلا خلاف بين الفقهاء في أنّ الجعالة تبطل بموته , إلّا في قول عند المالكيّة بلزوم الجعالة بالقول بالنّسبة للجاعل , وعليه فإذا مات المجعول له قبل الشّروع فيه لم يبطل العقد , وينزل ورثته منزلته , وليس للجاعل أن يمنعهم من العمل .
أمّا إذا مات العامل بعد أن شرع في العمل , وقبل إتمامه , فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
أحدهما: للمالكيّة , وهو أنّ الجعالة لا تبطل بموت العامل بعد الشّروع في العمل , ويقوم ورثته مقامه في إكماله إن كانوا أمناء , وليس للجاعل أن يمنعهم من العمل , وفي هذه الحالة إذا أتمّ الورثة العمل استحقوا الجعل كاملًا , بعضه بالإرث من عمل مورّثهم , وبعضه الآخر نتيجة عملهم .