قال المالكيّة: يعتبر إدراك أصحاب الأعذار بعد زوال الأعذار ومقدار فعل الطّهارة , وقال ابن القاسم منهم: لا تعتبر الطّهارة في الكافر , أمّا الشّافعيّة فلا يشترط عندهم أن يدرك مع الرّكعة قدر الطّهارة على الأظهر , فإن لم يبق من الوقت عقب زوال العذر زمن يسع الوضوء إن كان حدثه أصغر , أو الغسل إن كان حدثه أكبر - زيادةً على زمن الرّكعة - لم تجب الصّلاة عند المالكيّة .
ثانيًا: وجوب الظهر بإدراك العصر ,
ووجوب المغرب بإدراك وقت العشاء:
5 -ذهب الشّافعيّة في الأظهر والحنابلة وهو قول جماعةٍ من السّلف إلى أنّه إذا ارتفعت الأسباب المانعة لوجوب الصّلاة في وقت صلاة العصر , أو في وقت صلاة العشاء وجبت صلاة الظهر في الصورة الأولى وصلاة المغرب في الثّانية , فإذا أسلم الكافر أو بلغ الصّبي قبل أن تغرب الشّمس وجب عليهما صلاة الظهر والعصر , وإن بلغ الصّبي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض والنفساء قبل أن يطلع الفجر وجب على كلٍّ منهم صلاة المغرب بالإضافة إلى صلاة العشاء , لما روي عن عبد الرّحمن بن عوفٍ وعبد اللّه بن عبّاسٍ رضي الله عنهم قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلّي المغرب والعشاء , فإذا طهرت قبل أن تغرب الشّمس صلّت الظهر والعصر جميعًا , ولأنّ وقت الثّانية وقت الأولى حال العذر , فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها كما يلزمه فرض الثّانية .
وهذا في الجملة , إلا أنّهم اختلفوا في القدر الّذي يدرك به الثّانية:
فذهب الشّافعيّة في الأظهر والحنابلة إلى وجوب الظهر مع العصر بإدراك قدر تكبيرةٍ آخر وقت العصر , ووجوب المغرب مع العشاء بإدراك ذلك آخر وقت العشاء , لاتّحاد وقتي الظهر والعصر , ووقتي المغرب والعشاء في العذر , ففي الضّرورة أولى , ولأنّ الثّانية تجب بإدراك هذا القدر فوجبت به الأولى , ولأنّه إدراك فاستوى فيه القليل والكثير , كإدراك المسافر صلاة المقيم .
وقال المالكيّة: إذا ارتفعت الأعذار وهي الحيض والنّفاس والجنون والإغماء والكفر والصّبا والنّسيان وقد بقي من الوقت - أي وقت الثّانية - ما يسع أقلّ من ركعةٍ سقطت الصّلاتان , وإن بقي من الوقت ما يسع ركعةً فأكثر إلى تمام صلاةٍ واحدةٍ - إمّا تامّةً في الحضر , وإمّا مقصورةً في السّفر - وجبت الأخيرة وسقطت الأولى , وإن بقي زيادة إلى ذلك بمقدار ركعةٍ من الصّلاة الأخرى - إمّا تامّةً حضريّةً , وإمّا مقصورةً سفريّةً - وجبت الصّلاتان .
قالوا: وبيان ذلك: أنّه إذا طهرت الحائض أو أفاق المجنون أو بلغ الصّبي أو أسلم الكافر وقد بقي إلى غروب الشّمس خمس ركعاتٍ في الحضر , وثلاث في السّفر وجبت عليهم الظهر والعصر , وإن بقي أقل من ذلك إلى ركعةٍ وجبت العصر وحدها , وإن بقي أقل من ركعةٍ سقطت الصّلاتان , وفي المغرب والعشاء إن بقي إلى طلوع الفجر بعد ارتفاع الأعذار خمس ركعاتٍ وجبت الصّلاتان , وإن بقي ثلاث سقطت المغرب مطلقًا على المذهب في السّفر والحضر , وعند ابن الحكم وسحنونٍ تسقط المغرب حال الإقامة ولا تسقط في السّفر وإن بقي أربع فعلى المذهب تلزمه الصّلاتان , وقيل: تسقط المغرب , لأنّه أدرك قدر العشاء خاصّةً .
وأمّا مقابل الأظهر لدى الشّافعيّة فإنّه لا تجب الظهر والمغرب بإدراك قدر تكبيرةٍ في آخر وقت العصر والعشاء , بل لا بدّ من زيادة أربع ركعاتٍ للظهر في المقيم , وركعتين للمسافر , وثلاثٍ للمغرب على التّكبيرة على القول الأوّل , وعلى ركعةٍ على القول الثّاني , لأنّ جمع الصّلاتين الملحق به إنّما يتحقّق إذا تمّت الأولى وشرع في الثّانية في الوقت . وذهب الحنفيّة والحسن البصري والثّوري إلى أنّه: لا تجب على المدرك إلا الصّلاة الّتي أدركها , لأنّ وقت الأولى خرج في حال عذره فلم تجب , كما لو لم يدرك من وقت الثّانية شيئًا .
ثالثًا: حصول العذر للمدرك قبل فعل الفرض:
6 -اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة بناءً على أنّ الصّلاة هل تجب في أوّل الوقت أو في آخره ؟
فمنهم من يرى أنّها تجب في أوّل الوقت وهم الشّافعيّة والحنابلة , فكلّما دخل الوقت أو مضى منه ما يسع لأداء الفرض - على اختلافٍ بينهم - وجب عليه القضاء .
فقال الشّافعيّة: لو حاضت المرأة أو نفست أوّل الوقت , أو طرأ على المكلّف جنون أو إغماء في أوّل الوقت , واستغرق هذا المانع بقيّة الوقت , فإن أدرك من الوقت قبل حدوث المانع قدر الفرض وقدر طهرٍ لا يصح تقديمه على الوقت كتيمم وجبت عليه تلك الصّلاة , فيقضيها عند زوال العذر , لأنّها تجب في ذمّته ولا تسقط بما طرأ بعد وجوبها , كما لو هلك النّصاب بعد تمام الحول وإمكان الأداء , فإنّ الزّكاة لا تسقط به , ويجب الفرض الّذي قبلها أيضًا , إن كان يجمع معها وأدرك قدره لتمكنه من فعلها , ولا تجب الصّلاة الثّانية الّتي تجمع معها إذا خلا من الموانع ما يسعها , لأنّ وقت الأولى لا يصلح للثّانية إلا إذا صلاهما جمعًا بخلاف العكس , وأيضًا وقت الأولى في الجمع وقت للثّانية تبعًا بخلاف العكس , بدليل عدم وجوب تقديم الثّانية في جمع التّقديم وجواز تقديم الأولى , بل وجوبه على وجهٍ في جمع التّأخير .
أمّا الطّهارة الّتي يمكن تقديمها على الوقت فلا يعتبر مضي زمنٍ يسعها .
وإن لم يدرك من الوقت قدر فعل الفرض وما يتعلّق به فلا وجوب في ذمّته لعدم التّمكن من فعلها , لأنّه لم يدرك من وقتها ما يمكنه أن يصلّي فيه , كما لو طرأ العذر قبل دخول الوقت , وكما لو هلك النّصاب قبل التّمكن من الأداء وهذا اختيار أبي عبد اللّه بن بطّة من الحنابلة .