كما استدلوا بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: « ما من مسلمين التقيا فأخذ أحدهما بيد صاحبه إلّا كان حقًّا على اللّه عزّ وجلّ أن يحضر دعاءهما ولا يفرّق بين أيديهما حتّى يغفر لهما » , قالوا: وردت الرّوايات في هذا الحديث وغيره بلفظ الجمع , ولا يصدق إلّا على المصافحة الّتي تكون بكلتا اليدين لا بيد واحدة .
وذهب آخرون إلى أنّ كيفيّة المصافحة المشروعة لا تتعدّى المعنى الّذي تدل عليه في اللغة, ويتحقّق بمجرّد إلصاق صفح الكفّ بالكفّ .
واستدلّ لهذا الرّأي بقول عبيد اللّه بن بسر رضي اللّه عنه: « ترون كفّي هذه فأشهد أنّني وضعتها على كفّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . . . وذكر الحديث » .
ويستحب في المصافحة أن تكون إثر التّلاقي مباشرةً من غير توان ولا تراخٍ وأن لا يفصل بينها وبين اللّقاء سوى البدء بالسّلام , لقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم: « ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلّا غفر لهما قبل أن يفترقا » , حيث عطف المصافحة على التّلاقي بالفاء , وهي تفيد التّرتيب والتّعقيب والفوريّة , فدلّ ذلك على أنّ الوقت المستحبّ للمصافحة هو أوّل اللّقاء , وأمّا أنّ البدء بالسّلام يسبقها . فقد دلّ عليه ما ورد عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه أنّه سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: « ما من مسلمين يلتقيان فيسلّم أحدهما على صاحبه ويأخذ بيده لا يأخذه إلّا للّه عزّ وجلّ ولا يتفرّقان حتّى يغفر لهما » .
كذلك يستحب أنّ تدوم ملازمة الكفّين فيها قدر ما يفرغ من الكلام والسّلام والسؤال عن الغرض , ويكره نزع المصافح يده من يد الّذي يصافحه سريعًا لما روي عن أنس رضي اللّه عنه قال: « ما رأيت رجلًا التقم أذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فينحّي رأسه حتّى يكون الرّجل هو ينحّي رأسه وما رأيت رجلًا أخذ بيده فترك يده حتّى يكون الرّجل هو الّذي يدع يده » .
وفي رواية أخرى: « كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا لقي الرّجل لا ينزع يده حتّى يكون هو الّذي ينزع يده ولا يصرف وجهه عن وجهه حتّى يكون هو الّذي يصرفه » , وقال بعض الحنابلة: يكره للمصافح أن ينزع يده من يد من يصافحه قبل نزعه هو إلّا مع حياء أو مضرّة التّأخير , وقصر بعضهم كراهة السّبق بالنّزع على غير المبادر بالمصافحة حتّى ينزعها ذلك المبادر , وقال ابن تيميّة: الضّابط أنّ من غلب على ظنّه أنّ الآخر سينزع أمسك وإلّا فلو أستحبّ الإمساك لكلّ منهما أفضى إلى دوام المعاقدة , ثمّ استحسن قول من جعل النّزع للمبتدئ بالمصافحة .
ومن سنن المصافحة أن يأخذ المصافح إبهام الطّرف الآخر وأمّا شد كلّ واحد منهما يده على يد الآخر فقد ذكر بعض المالكيّة قولين في المذهب: قول باستحبابه , لأنّه أبلغ في التّودد , وقول بعدم استحبابه , وكذلك تقبيل المصافح يد نفسه بعد المصافحة فيه قولان عندهم , لكن قال الجزوليّ: صفة المصافحة أن يلصق كل واحد منهما راحته براحة الآخر , ولا يشد ولا يقبّل أحدهما يده ولا يد الآخر , فذلك مكروهٌ .
ويُستحب السّبق في الشروع بالمصافحة لما روي عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه أنّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « إذا التقى الرّجلان المسلمان فسلّم أحدهما على صاحبه فإنّ أحبّهما إلى اللّه أحسنهما بشرًا لصاحبه فإذا تصافحا نزلت عليهما مائة رحمة للبادي منهما تسعون وللمصافح عشرة » .
ومن آداب المصافحة أن يقرنها المصافح بحمد اللّه تعالى والاستغفار بأن يقول: يغفر اللّه لنا ولكم , وبالصّلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبالدعاء: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } وبالبشاشة وطلاقة الوجه مع التّبسم وحسن الإقبال واللطف في المسألة وينبغي أن يصدق فيها , بأن لا يحمله عليها سوى الحبّ في اللّه عزّ وجلّ , لما روي عن البراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنه قال: « لقيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخذ بيدي فقلت يا رسول اللّه إن كنت لأحسب أنّ المصافحة للأعاجم فقال نحن أحقّ بالمصافحة منهم ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودّةً بينهما ونصيحةً إلّا ألقيت ذنوبهما بينهما » .
أثر المصافحة على وضوء المتصافحين:
15 -لمّا كانت المصافحة صورةً من صور اللّمس , فإنّه يجري في أثرها على وضوء المتصافحين الاختلاف الّذي وقع بين الفقهاء في أثر اللّمس عليه .
والتّفصيل في مصطلح ( لمس ) .