فهرس الكتاب

الصفحة 1929 من 2053

وذهب المالكيّة إلى عدم جواز مصافحة المسلم الكافر ولا المبتاع , لأنّ الشّارع طلب هجرهما ومجانبتهما , وفي المصافحة وصل مناف لما طلبه الشّارع .

الحالات الّتي تسن فيها المصافحة:

حين تشرع المصافحة فإنّها تستحب في مواطن منها:

11 -عند التّلاقي سواء من سفر أو غيره , كما سبق بيانه ( ف / 4 ) .

12 -كذلك تسن عند مبايعة الإمام المسلم ومن في حكمه حيث كانت البيعة على عهد الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم وخلفائه الرّاشدين بالمصافحة , وفي مبايعة أبي بكر رضي اللّه عنه ورد أنّ عمر رضي اللّه عنه قال له في السّقيفة أبسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعه ثمّ بايعه المهاجرون والأنصار , وهذا خاصٌّ بالرّجال كما تقدّم .

( ر: بيعة ف / 12 ) .

13 -وقد اختلف فقهاء المذاهب في حكم المصافحة عقب الصّلوات وبخاصّة صلاتي العصر والصبح ويظهر من عباراتهم أنّ فيها ثلاثة أقوال: قول بالاستحباب , وآخر بالإباحة , وثالث بالكراهة .

أما القول بالاستحباب فقد استنبطه بعض شرّاح الحنفيّة من إطلاق عبارات أصحاب المتون , وعمّ نصهم على استثناء المصافحة بعد الصّلوات , قال الحصكفيّ: وإطلاق المصنّف - التمرتاشيّ - تبعًا للدرر والكنز والوقاية والنقاية والمجمع والملتقى وغيرها يفيد جوازها مطلقًا ولو بعد العصر , وقولهم: إنّه بدعة , أي مباحة حسنة كما أفاده النّووي في أذكاره , وعقّب ابن عابدين على ذلك بعد أن ذكر بعض من قال باستحبابها مطلقًا من علماء الحنفيّة بقوله: وهو الموافق لما ذكره الشّارح من إطلاق المتون , واستدلّ لهذا القول بعموم النصوص الواردة في مشروعيّة المصافحة .

وممّن ذهب إلى هذا القول من الشّافعيّة المحب الطّبريّ وحمزة النّاشريّ وغيرهما , وقالوا باستحباب المصافحة عقب الصّلوات مطلقًا , واستأنس الطّبريّ بما رواه أحمد والبخاري عن أبي حنيفة رضي اللّه عنه قال: « خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالهاجرة إلى البطحاء فتوضّأ ثمّ صلّى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة تمر من ورائها المرأة وقام النّاس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم قال أبو جحيفة فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثّلج وأطيب رائحةً من المسك » , قال المحب الطّبريّ: ويستأنس بذلك لما تطابق عليه النّاس من المصافحة بعد الصّلوات في الجماعات لا سيّما في العصر والمغرب إذا اقترن به قصد صالح من تبركٍ أو تودد أو نحوه .

وأمّا القول بالإباحة فقد ذهب إليه العز بن عبد السّلام من الشّافعيّة , حيث قسّم البدع إلى خمسة أقسام: واجبة ومحرّمة ومكروهة ومستحبّة ومباحة , ثمّ قال: وللبدع المباحة أمثلة منها المصافحة عقيب الصبح والعصر .

ونقل ابن علّان عن المرقاة أنّه مع كونها من البدع فإذا مدّ مسلم يده إليه ليصافحه فلا ينبغي الإعراض عنه بجذب اليد لما يترتّب عليه من أذًى يزيد على مراعاة الأدب , وإن كان يقال إنّ فيه نوع إعانة على البدعة وذلك لما فيه من المجابرة .

واستحسن النّووي في المجموع - كما نقله ابن علّان - كلام ابن عبد السّلام واختار أنّ مصافحة من كان معه قبل الصّلاة مباحة ومن لم يكن معه قبل الصّلاة سنّة , وقال في الأذكار: واعلم أنّ هذه المصافحة مستحبّة عند كلّ لقاء , وأمّا ما اعتاده النّاس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له في الشّرع على هذا الوجه , ولكن لا بأس به , فإنّ أصل المصافحة سنّة , وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال وفرّطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة الّتي ورد الشّرع بأصلها .

وأمّا القول بالكراهة فقد نقله ابن عابدين عن بعض علماء المذهب , وقال: قد يقال: إنّ المواظبة عليها بعد الصّلوات خاصّةً قد يؤدّي بالجهلة إلى اعتقاد سنّيّتها في خصوص هذه المواضع , وأنّ لها خصوصيّةً زائدةً على غيرها , مع أنّ ظاهر كلامهم أنّه لم يفعلها أحد من السّلف في هذه المواضع , وذكر أنّ منهم من كرهها لأنّها من سنن الرّوافض .

واعتبر ابن الحاجّ هذه المصافحة من البدع الّتي ينبغي أن تمنع في المساجد , لأنّ موضع المصافحة في الشّرع إنّما هو عند لقاء المسلم لأخيه لا في أدبار الصّلوات الخمس , فحيث وضعها الشّرع توضع , فينهى عن ذلك ويزجر فاعله , لما أتى من خلاف السنّة .

كيفيّة المصافحة المستحبّة وآدابها:

14 -تقع المصافحة في الأصل بأن يضع الرّجل صفح كفّه في صفح كفّ صاحبه . واختلفوا في كون المصافحة المستحبّة بكلتا اليدين أم بيد واحدة , فذهب الحنفيّة وبعض المالكيّة إلى أنّ السنّة في المصافحة أن تكون بكلتا اليدين , وذلك بأن يلصق كل من المتصافحين بطن كفّ يمينه ببطن كفّ يمين الآخر , ويجعل بطن كفّ يساره على ظهر كفّ يمين الآخر , واستدلوا بأنّ هذا هو المعروف عن الصّحابة والتّابعين , وبما ورد من قول ابن مسعود رضي اللّه عنه « علّمني النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم التّشهد وكفي بين كفّيه » وبما ذكره البخاري في باب الأخذ باليدين من قوله: صافح حمّاد بن زيد بن المبارك بيديه , إشارةً إلى أنّ ذلك هو المعروف بين الصّحابة والتّابعين , واستدلوا أيضًا بما ورد عن عبد الرّحمن بن رزين قال: « مررنا بالرّبذة فقيل لنا هاهنا سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه فأتيته فسلّمنا عليه فأخرج يديه فقال بايعت بهاتين نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت