فهرس الكتاب

الصفحة 1937 من 2053

وقال الشّافعيّة والقاضي في الحنابلة: لا ينقطع الخيار , لأنّه حكم علّق على التّفرق فلم يثبت مع الإكراه , فعلى قول من لا يرى انقطاع الخيار إن أكره أحدهما على فرقة صاحبه انقطع خيار صاحبه كما لو هرب منه وفارقه بغير رضاه ويكون الخيار للمكره منهما في المجلس الّذي يزول عنه فيه الإكراه حتّى يفارقه , وإن أكرها جميعًا على المفارقة انقطع خيارهما , لأنّ كلّ واحدٍ منهما ينقطع خياره بفرقة الآخر له فأشبه ما لو أكره صاحبه دونه .

ومن صور الإكراه ما لو تفرّقا مع فزعٍ من مخوفٍ كسبع أو ظالمٍ خشياه فهربا منه أو تفرّقا مع إلجاءٍ كتفرق بسيل أو نارٍ أو نحوهما أو تفرّقا مع حملٍ لهما لأنّ فعل المكره والملجأ كعدمه فيستمر خيارهما إلى أن يتفرّقا من مجلسٍ زال فيه إكراه أو إلجاء .

وقال الشّافعيّة فيما نقله النّووي: لو هرب أحد العاقدين ولم يتبعه الآخر فقد أطلق الأكثرون أنّه ينقطع خيارهما , وجزم به الفوراني والمتولّي وصاحبا العدّة والبيان وغيرهم , وقال البغويّ والرّافعي: إن لم يتبعه الآخر مع التّمكن بطل خيارهما , وإن لم يتمكّن بطل خيار الهارب دون الآخر , قال النّووي: والصّحيح ما قدّمناه عن الأكثرين , لأنّه متمكّن من الفسخ بالقول ولأنّه فارقه باختباره فأشبه إذا مشى على العادة , فلو هرب وتبعه الآخر يدوم الخيار ما داما متقاربين , فإن تباعدا بحيث يعد فرقةً بطل اختيارهما .

وقال الحنابلة: إن هرب أحد المتبايعين من صاحبه , بطل خيارهما ولزم العقد لأنّه فارقه باختياره ولا يقف لزوم العقد على رضاهما .

وأمّا أثر المفارقة بالموت أو الجنون ونحوه ففي إبطال خيار المجلس به خلاف ينظر تفصيله في مصطلح: ( خيار المجلس ف 13 ) .

ولو تنازع العاقدان في التّفرق بأن جاءا معًا وقال أحدهما: تفرّقنا , وأنكر الآخر صدّق النّافي بيمينه .

ولو اتّفقا على حصول التّفرق وتنازعا في الفسخ قبل التّفرق فقال أحدهما فسخت البيع قبل التّفرق وأنكر الآخر صدق النّافي بيمينه لأنّ الأصل دوام الاجتماع وعدم الفسخ ولو اتّفقا على عدم التّفرق وادّعى أحدهما الفسخ فدعواه الفسخ فسخ .

وما سبق من اعتبار المفارقة إنّما هو فيما إذا تولّى عقد البيع طرفان أمّا إذا تولّى العقد شخص واحد كالأب يبيع ماله لولده أو يبيع مال ولده لنفسه فهل لا بدّ من ثبوت الخيار واعتبار المفارقة سببًا للزوم العقد أم لا ؟

للشّافعيّة والحنابلة في ذلك رأيان الأوّل: ثبوت الخيار قال النّووي: أصحهما ثبوته فعلى هذا يثبت خيار للولد وخيار للأب ويكون الأب نائب الولد , فإن ألزم البيع لنفسه وللولد لزم , وإن ألزم لنفسه بقي الخيار للولد فإذا فارق المجلس لزم العقد على الأصحّ من الوجهين عند الشّافعيّة , قال الماورديّ وهذا قول أبي إسحاق المروزيّ وهو المذهب . والرّأي الثّاني وهو الصّحيح من المذهب عند الحنابلة ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة: لا يلزم - أي البيع - إلا بالإلزام , لأنّه لا يفارق نفسه وإن فارق المجلس , قال الماورديّ: وهذا قول جمهور أصحابنا , قال: وعلى هذا لا ينقطع الخيار إلا بأن يختار الأب لنفسه وللولد , فإن لم يختر ثبت الخيار للولد إذا بلغ .

وقال البغويّ: ولو كان العقد بينه وبين ولده صرفًا ففارق المجلس قبل القبض بطل العقد على الوجه الأوّل ولا يبطل على الثّاني إلا بالتّخاير .

اعتبار المفارقة في العقود الأخرى:

15 -كما تعتبر مفارقة مجلس العقد سببًا للزوم البيع فإنّها تعتبر سببًا للزوم بعض العقود الأخرى الّتي يثبت فيها خيار المجلس وهي عند الشّافعيّة والحنابلة: الصّرف , وبيع ربوي من مكيلٍ وموزونٍ بجنسه كبرّ ببرّ ونحوه , والسّلم , وصلح المعاوضة ، وزاد الشّافعيّة: التّولية , والتّشريك , وزاد الحنابلة الهبة الّتي فيها عوض معلوم , والإجارة .

وذلك لعموم الخيرة ولأنّ موضوع الخيار النّظر في الأحظّ وهو موجود هنا , وينظر تفصيل هذه العقود في مصطلحاتها .

المفارقة في النّكاح:

تقع المفارقة في النّكاح لأسباب منها:

أوّلًا: الجمع بين أكثر من أربع زوجاتٍ:

16 -لا يجوز للمسلم الحرّ أن يجمع بين أكثر من أربع زوجاتٍ في وقتٍ واحدٍ لقول اللّه تعالى: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } , فإذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع زوجاتٍ أسلمن معه وجب عليه مفارقة ما زاد على الأربع , وهذا باتّفاق الفقهاء .

واستدلوا على ذلك بما رواه عبد اللّه بن عمر: « أنّ غيلان بن سلمة أسلم وعنده تسع نسوةٍ فأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يختار منهنّ أربعًا » .

وتختلف كيفيّة المفارقة بين من كان كافرًا وكان في عصمته أكثر من أربع زوجاتٍ ثمّ أسلم وأسلمن معه , وبين المسلم الّذي يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجاتٍ في وقتٍ واحدٍ . فمن كان كافرًا وأسلم وفي عصمته أكثر من أربع زوجاتٍ وأسلمن معه فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد من الحنفيّة إلى أنّه لا يشترط فيمن يفارقهنّ أو يختارهنّ ترتب عقودهنّ فسواء تزوّجهنّ في عقدٍ واحدٍ أو عقودٍ متفرّقةٍ وسواء كان من فارقهنّ أو اختارهنّ أوائل في العقد أو أواخر , ووجه ذلك كما قال الإمام الشّافعي والقرافي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر من أسلم على أكثر من أربعٍ أن يفارق ما زاد على الأربع وأطلق الحكم ولم يستفصل عن كيفيّة نكاحهنّ , وترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال منزّل منزلة العموم في المقال ولولا أنّ الحكم يعم الحالين لما أطلق ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت