ولأنّ السّفر معنىً لو وجد ليلًا واستمرّ في النّهار لأباح الفطر فإذا وجد في أثنائه أباحه .
ثانيًا: المفارقة في العقود:
أثر المفارقة في لزوم العقد:
لمفارقة المتعاقدين أثر في لزوم بعض العقود ومن ذلك:
مفارقة المتبايعين مجلس العقد:
12 -من أسباب لزوم البيع بعد انعقاده بالإيجاب والقبول أحد أمرين: إمّا التّخاير , وهو أن يخيّر أحد المتبايعين صاحبه في إمضاء العقد أو إبطاله , وأمّا مفارقة المتبايعين أو أحدهما مجلس العقد , وكلامنا هنا في المفارقة إذا لم يوجد التّخاير , فمفارقة المتبايعين مجلس العقد من أسباب لزوم العقد , أمّا قبل المفارقة فإنّ عقد البيع يكون جائزًا ويثبت لكلّ واحدٍ من المتبايعين الخيار في فسخ العقد ما داما في المجلس ولم يفترقا وهذا ما ذهب إليه الشّافعيّة والحنابلة ويسمّى الخيار في فسخ العقد ما داما في المجلس: خيار المجلس .
قال ابن قدامة: يقع البيع جائزًا , ولكلّ من المتبايعين الخيار في فسخ البيع ما داما مجتمعين لم يتفرّقا , وهو قول أكثر أهل العلم , يروى ذلك عن عمر وابن عمر وابن عبّاسٍ وأبي هريرة وأبي برزة رضي الله عنهم , وبه قال سعيد بن المسيّب وشريح والشّعبي وعطاء وطاوس والزهري والأوزاعي وابن أبي ذئبٍ والشّافعي وإسحاق وأبو عبيدٍ وأبو ثورٍ واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة بما رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إذا تبايع الرّجلان فكل واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرّقا وكانا جميعًا أو يخيّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرّقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع » .
حكم مفارقة المتبايعين:
13 -اختلف الشّافعيّة والحنابلة في حكم مفارقة المتبايعين أو أحدهما مجلس العقد وسبب اختلافهما هو ما رواه عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « البيّعان بالخيار ما لم يفترقا ، إلا أن تكون صفقة خيارٍ ، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله » .
فقال الشّافعيّة: المفارقة جائزة لكلّ واحدٍ من المتعاقدين , والحل الوارد في الحديث محمول على الإباحة المستوية الطّرفين .
وما ذهب إليه الشّافعيّة هو رواية عن الإمام أحمد , قال ابن قدامة: ذكر القاضي أنّ ظاهر كلام أحمد جواز مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه ودليل هذه الرّواية ما ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّه كان إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه .
أمّا الرّواية الثّانية عن الإمام أحمد فقد قال ابن قدامة: ظاهر حديث عمرو بن شعيبٍ تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه خشيةً من فسخ البيع , قال: وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم , فإنّه ذكر له فعل ابن عمر , وحديث عمرو بن شعيبٍ فقال: هذا الآن قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم , وهنا اختيار أبي بكرٍ , قال ابن قدامة: وهذه الرّواية هي الأصح , لأنّ قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقدّم على فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما , والظّاهر أنّ ابن عمر لم يبلغه هذا ولو علمه لما خالفه .
كيفيّة المفارقة الّتي يلزم بها البيع:
14 -المفارقة الّتي يلزم بها البيع هي المفارقة بالأبدان لا بالأقوال وتختلف المفارقة باختلاف مكان العقد ويعتبر في ذلك العرف , فما يعده النّاس تفرقًا يلزم به العقد وما لا فلا لأنّ ما ليس له حد شرعًا ولا لغةً يرجع فيه إلى العرف فإن كانا في دارٍ كبيرةٍ فبالخروج من البيت إلى الصّحن أو من الصّحن إلى الصفّة أو البيت , وإن كانا في سوقٍ أو صحراء أو في بيتٍ متفاحش السّعة فبأن يولّي أحدهما الآخر ظهره ويمشي قليلًا .
قال الشّربيني الخطيب ولو لم يبعد عن سماع خطابه , وقال البهوتي: ولو لم يبعد عنه بحيث لا يسمع كلامه في العادة خلافًا للإقناع .
وإن كانا في سفينةٍ أو دارٍ صغيرةٍ أو مسجدٍ صغيرٍ فبخروج أحدهما منه أو صعوده السّطح ولا يحصل التّفرق بإقامة سترٍ ولو ببناء جدارٍ بينهما , لأنّ المجلس باقٍ .
وقيل لا تكون المفارقة إلا بأن يبعد عن صاحبه بحيث لو كلّمه على العادة من غير رفع الصّوت لم يسمع كلامه وهو ما ذهب إليه الإصطخريّ والشّيرازي والقاضي أبو الطّيّب من الشّافعيّة , قال النّووي: والمذهب الأوّل وبه قطع الجمهور - أي جمهور الشّافعيّة - ونقله المتولّي والروياني عن جميع الأصحاب سوى الإصطخريّ واستدلّ لذلك بما ورد عن ابن عمر فقد قال نافع: كان ابن عمر إذا بايع رجلًا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيّة ثمّ رجع إليه .
وسئل الإمام أحمد عن تفرقة الأبدان فقال: إذا أخذ هذا كذا وهذا كذا فقد تفرّقا .
قال النّووي: وحكى القاضي أبو الطّيّب والروياني وجهًا أنّه يكفي أن يولّيه ظهره , ونقله الروياني عن ظاهر النّصّ لكنّه مؤوّل .
ولو فارق أحدهما مجلسه دون الآخر لم ينقطع خيار الآخر خلافًا لبعض المتأخّرين , وقال البهوتي: وإذا فارق أحدهما صاحبه لزم البيع سواء قصد بالمفارقة لزوم البيع أو قصد حاجةً أخرى لحديث ابن عمر السّابق .
واختلف في الإكراه على المفارقة هل يبطل به الخيار ويلزم البيع أم لا ؟ قال ابن قدامة: إن فارق أحدهما الآخر مكرهًا احتمل بطلان الخيار لوجود غايته وهو التّفرق , ولأنّه لا يعتبر رضاه في مفارقة صاحبه له فكذلك في مفارقته لصاحبه .