ولأن المبقاة يجوز له ابتداء نكاحها فجاز له استدامته كغيرها , ولأن أنكحة الكفار صحيحة وإنما حرم الجمع وقد أزاله , ولا مهر للمفارقة منهما قبل الدخول , وهكذا الحكم في المرأة وعمتها أو خالتها لأن المعنى في الجميع واحد , قال ابن قدامة: إن كان دخل بهما واختار إحداهما لم يطأها حتى تنقضي عدة المفارقة .
وهذا ما ذهب إليه أيضا محمد بن الحسن من الحنفية واستدل بحديث فيروز السابق , قال: لقد خيره الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستفسر أن نكاحهن كان دفعة واحدة أو على الترتيب ولو كان الحكم يختلف لاستفسر فدل على أن حكم الشرع فيه هو التخيير مطلقًا . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كان تزوج الأختين في عقدة واحدة فيجب عليه مفارقتهما لأن نكاح واحدة منهما جعل جمعًا إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى والإسلام يمنع من ذلك ولا مانع من التفريق فيفرق , وإن كان تزوجهما في عقدين فنكاح الأولى وقع صحيحًا إذ لا مانع من الصحة وبطل نكاح الثانية لحصوله جمعًا فلا بد من التفريق بعد الإسلام قالا: والنبي صلى الله عليه وسلم قال لفيروز: « طلق أيتهما شئت » ومعلوم أن الطلاق إنما يكون في النكاح الصحيح فدل أن ذلك العقد وقع صحيحًا في الأصل فدل أنه كان قبل تحريم الجمع ولا كلام فيه .
ثالثًا: السّلام بعد المفارقة:
19 -قال النّووي: البدء بالسّلام سنّة مؤكّدة ومن السنّة أنّ من سلّم على إنسانٍ ثمّ فارقه ثمّ لقيه على قربٍ أو حال بينهم شيء ثمّ اجتمعا فالسنّة أن يسلّم عليه , وهكذا لو تكرّر ذلك ثالثًا ورابعًا وأكثر سلّم عند كلّ لقاءٍ وإن قرب الزّمان , قال: اتّفق عليه أصحابنا لحديث أبي هريرة في قصّة المسيء صلاته: « أنّه صلّى في جانب المسجد ثمّ جاء فسلّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فردّ عليه السّلام ثمّ قال ارجع فصلّ فإنّك لم تصلّ فرجع فصلّى ، ثمّ جاء فسلّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى فعل ذلك ثلاث مرّاتٍ » .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إذا لقي أحدكم أخاه فليسلّم ، عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثمّ لقيه فليسلّم عليه » . وعن أنسٍ رضي الله تعالى عنه قال: « كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتماشون ، فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة فتفرّقوا يمينًا وشمالًا ثمّ التقوا من ورائها سلّم بعضهم على بعضٍ » .
ومن السنّة إذا قام شخص من المجلس وأراد فراق الجالسين أن يسلّم عليهم .
وتفصيل هذه المسألة في: ( مصطلح سلام ف 25 ) .
رابعًا: مفارقة جماعة المسلمين:
20 -اتّفق الفقهاء على أنّه يجب طاعة الإمام العادل ويحرم الخروج عليه , أمّا غير العادل فقد اختلف في طاعته .
والتّفصيل في مصطلح: ( الإمامة الكبرى ف 12 , 21 ) .
خامسًا: مصالحة الزّوجة زوجها حتّى لا يفارقها:
21 -إذا نفر الزّوج من زوجته وأراد فراقها فيجوز للزّوجة مصالحته حتّى لا يفارقها , قال اللّه تعالى: { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } .
قال ابن كثيرٍ: الظّاهر من الآية أنّ صلحهما على ترك بعض حقّها للزّوج وقبول الزّوج ذلك خير من المفارقة بالكلّيّة , كما أمسك النّبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة رضي الله عنهما على أن تركت يومها لعائشة رضي الله تعالى عنها ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه , وفعل النّبي صلى الله عليه وسلم ذلك لتتأسّى به أمّته في مشروعيّة ذلك وجوازه ولمّا كان الوفاق أحبّ إلى اللّه من الفراق قال: { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } فإذا أصرّ الزّوج على الفراق فقد أخبر اللّه تعالى أنّهما إذا تفرّقا فإنّ اللّه يغنيه عنها ويغنيها عنه قال تعالى: { وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ } .
سادسًا: مفارقة الجالسين في الأمكنة العامّة أماكنهم:
22 -يجوز لكلّ أحدٍ من النّاس أن يجلس في الأماكن العامّة كالشّارع والمسجد والسوق وذلك للحاجة من معاملةٍ أو حرفةٍ أو إقراءٍ أو غير ذلك إذا لم يكن في ذلك ضرر للغير , وهذا باتّفاق , لكن إذا جلس أحد في مكانٍ من هذه الأماكن ثمّ فارقه ثمّ عاد إليه فهل يكون أحقّ به ؟ للفقهاء في ذلك تفصيل بيانه في مصطلح: ( مجلس ف 7 , وارتفاق 8 - 9 , وطريق ف 9 - 13 ) .