والأصل في ماء الثّلج والبرد: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يسكت بين التّكبير وبين القراءة إسكاتةً - قال: أحسبه قال هنيّة - , فقلت: بأبي وأمّي يا رسول اللّه , إسكاتك بين التّكبير والقراءة ما تقول ؟ قال: أقول: اللّهمّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب , اللّهمّ نقّني من الخطايا كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس , اللّهمّ اغسل خطاياي بالماء والثّلج والبرد » .
وقد اختلف الفقهاء في استعمال بعض أنواع الماء المطلق , فمن قائل بالكراهة , وآخر بعدمها , ومن قائل بصحّتها وآخر بعدم صحّتها , وهذه الأنواع تتمثّل فيما يلي:
أوّلًا - ماء البحر:
5 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى جواز استعمال ماء البحر في الطّهارة من الأحداث والأنجاس من غير كراهة , وهذا هو مذهب جمهور الصّحابة والتّابعين .
يقول التّرمذي: أكثر الفقهاء من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منهم: أبو بكر وعمر وابن عبّاسٍ لم يروا بأسًا بماء البحر , واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: « هو الطّهور ماؤه , الحل ميتته » ، ولأنّ مطلق اسم الماء يطلق على ماء البحر فيقع التّطهر به .
وقال النّووي: وحكي عن عبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيّب وابن عبد البرّ كراهة التّطهر به .
ثانيًا - ماء الثّلج:
6 -لا خلاف بين الفقهاء في جواز التّطهر بماء الثّلج إذا ذاب .
وإنّما الخلاف بينهم في استعماله قبل الإذابة على ثلاثة أقوال:
القول الأوّل: ذهب المالكيّة والحنابلة وهو المعتمد عند الحنفيّة إلى عدم جواز التّطهر بالثّلج قبل الإذابة ما لم يتقاطر ويسل على العضو .
يقول صاحب الدرّ المختار:"يرفع الحدث مطلقًا بماء مطلق , وهو ما يتبادر عند الإطلاق كماء سماء وأودية وعيون وآبار وبحار وثلج مذاب بحيث يتقاطر".
ويقول صاحب الشّرح الكبير: وهو - أي الماء المطلق - ما صدق عليه اسم ماء بلا قيد وإن جمع من ندًى أو ذاب أي تميّع بعد جموده كالثّلج وهو ما ينزل مائعًا ثمّ يجمد على الأرض .
ويقول صاحب المغني: الذّائب من الثّلج والبرد طهور , لأنّه ماء نزل من السّماء , وفي دعاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « اللّهمّ اغسل خطاياي بالماء والثّلج والبرد » .
فإن أخذ الثّلج فمرّره على أعضائه لم تحصل الطّهارة به , ولو ابتلّ به العضو , لأنّ الواجب الغسل , وأقل ذلك أن يجري الماء على العضو , إلّا أن يكون خفيفًا فيذوّب , ويجري ماؤه على الأعضاء فيحصل به الغسل , فيجزئُه .
القول الثّاني: ذهب أبو يوسف من الحنفيّة والأوزاعي إلى جواز التّطهر به وإن لم يتقاطر . يقول الطّحطاوي: قوله"بحيث يتقاطر"هو المعتمد وعن أبي يوسف: يجوز وإن لم يتقاطر .
ويقول النّووي: وحكى أصحابنا عن الأوزاعيّ جواز الوضوء به وإن لم يسل ويجزيه في المغسول والممسوح , وهذا ضعيف أو باطل إن صحّ عنه لأنّه لا يسمّى غسلًا ولا في معناه. القول الثّالث: فرّق الشّافعيّة بين سيل الثّلج على العضو لشدّة حرّ وحرارة الجسم ورخاوة الثّلج , وبين عدم سيله . فإن سال على العضو صحّ الوضوء على الصّحيح لحصول جريان الماء على العضو , وقيل: لا يصح لأنّه لا يسمّى غسلًا , حكاه جماعة منهم الماورديّ والدّارمي , وإن لم يسل لم يصحّ بلا خلاف في المغسول , ويصح مسح الممسوح منه وهو الرّأس والخف والجبيرة , وهو المذهب عندهم .
ثالثًا - ماء زمزم:
7 -اختلف الفقهاء في حكم استعمال ماء زمزم في الطّهارة من الحدث أو إزالة النّجس على ثلاثة أقوال:
القول الأوّل: ذهب الحنفيّة والشّافعيّة وأحمد في رواية وابن شعبان من المالكيّة إلى جواز استعمال ماء زمزم من غير كراهة في إزالة الأحداث , أما في إزالة الأنجاس فيكره تشريفًا له وإكرامًا .
الثّاني: ذهب المالكيّة إلى جواز استعمال ماء زمزم من غير كراهة مطلقًا , أي سواء أكان الاستعمال في الطّهارة من الحدث أم في إزالة النّجس .
القول الثّالث: ذهب أحمد في رواية إلى كراهة استعماله مطلقًا أي في إزالة الحدث والنّجس لقول ابن عبّاسٍ رضي الله عنه: « لا أحلها لمغتسل يغتسل في المسجد وهي لشارب ومتوضّئٍ حل وبل » .
رابعًا - الماء الآجن:
8 -وهو الماء الّذي تغيّر بطول مكثه في المكان من غير مخالطة شيء , ويقرب منه الماء الآسن .
( ر: مصطلح آجن فقرة / 1 , ومصطلح طهارة فقرة / 10 ) .
وذهب الفقهاء إلى جواز استعمال الماء الآجن من غير كراهة .
يقول صاحب ملتقى الأبحر من الحنفيّة: وتجوز الطّهارة بالماء المطلق كماء السّماء والعين والبئر والأودية والبحار , وإن غَيَّرَ طاهرٌ بعضَ أوصافه كالتراب والزّعفران والأشنان والصّابون أو أنتن بالمكث .
ويقول صاحب أقرب المسالك من المالكيّة: ولا يضر تغير الماء بشيء تولّد منه كالسّمك والدود والطحلب"بفتح اللّام وضمّها", وكذا إذا تغيّر الماء بطول مكثه من غير شيء ألقي فيه فإنّه لا يضر .
ويقول الرّملي الكبير من الشّافعيّة: ولا يقال المتغيّر كثيرًا بطول المكث أو بمجاور أو بما يعسر صون الماء عنه غير مطلق , بل هو مطلق .
واستدلوا على ذلك بالنصوص المطلقة , ولأنّه لا يمكن الاحتراز منه فأشبه بما يتعذّر صونه عنه .
ونقل عن ابن سيرين القول بكراهة استعمال الماء الآجن .