يقول صاحب بداية المجتهد: أجمعوا على أنّ كلّ ما يغيّر الماء ممّا لا ينفك عنه غالبًا أنّه لا يسلبه صفّة الطّهارة والتّطهير , إلّا خلافًا شاذًا روي في الماء الآجن عن ابن سيرين . ويقول النّووي: وأمّا المتغيّر بالمكث فنقل ابن المنذر الاتّفاق على أنّه لا كراهة فيه , إلّا ابن سيرين فكرهه .
الماء المستعمل:
اختلف الفقهاء في المراد من الماء المستعمل وحكمه وذلك على التّفصيل الآتي:
الماء المستعمل عند الحنفيّة:
9 -الماء المستعمل عند أبي حنيفة وأبي يوسف: هو الماء الّذي أزيل به حدثٌ أو أستعمل في البدن على وجه القربة , كالوضوء على الوضوء بنيّة التّقرب أو لإسقاط فرض .
وعند محمّد بن الحسن: هو الماء الّذي أستعمل لإقامة قربة .
وعند زفر: هو الماء المستعمل لإزالة الحدث .
والمذهب عند الحنفيّة: أنّ الماء يصير مستعملًا بمجرّد انفصاله عن البدن .
ويظهر أثر هذا الخلاف عندهم في المراد من الماء المستعمل فيما يلي:
أ - إذا توضّأ بنيّة إقامة القربة نحو الصّلاة المعهودة وصلاة الجنازة ودخول المسجد ومسّ المصحف وقراءة القرآن ونحوها .
فإن كان محدثًا صار الماء مستعملًا بلا خلاف لوجود السّببين , وهما: إزالة الحدث وإقامة القربة .
وإن كان غير محدث يصير الماء مستعملًا عند الثّلاثة"أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد"لوجود إقامة القربة , لكون الوضوء على الوضوء نور على نور , وعند زفر: لا يصير مستعملًا لانعدام إزالة الحدث .
ب - إذا توضّأ أو اغتسل للتّبرد , فإن كان محدثًا صار الماء مستعملًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر لوجود إزالة الحدث وعند محمّد: لا يصير مستعملًا لعدم إقامة القربة , وإن لم يكن محدثًا لا يصير مستعملًا بالاتّفاق .
ج - إذا توضّأ بالماء المقيّد كماء الورد ونحوه لا يصير مستعملًا بالاتّفاق لأنّ التّوضّؤ به مخيّر جائزٌ , فلم يوجد إزالة الحدث ولا إقامة القربة .
د - إذا غسل الأشياء الطّاهرة من النّبات والثّمار والأواني والأحجار ونحوه , أو غسلت المرأة يدها من العجين أو الحنّاء ونحو ذلك , لا يصير الماء مستعملًا .
والماء المستعمل عند الحنفيّة ليس بطهور لحدث بل لخبث على الرّاجح المعتمد فإنّه يجوز إزالة النّجاسة الحقيقيّة به .
الماء المستعمل عند المالكيّة:
10 -ذهب المالكيّة إلى أنّ الماء المستعمل:
هو ما أستعمل في رفع حدث أو في إزالة حكم خبث , وأنّ المستعمل في رفع حدث: هو ما تقاطر من الأعضاء أو اتّصل بها أو انفصل عنها - وكان المنفصل يسيرًا - أو غسل عضوه فيه .
وحكمه عندهم أنّه طاهر مطّهر لكن يكره استعماله في رفع حدث أو اغتسالاتٍ مندوبة مع وجود غيره إذا كان يسيرًا , ولا يكره على الأرجح استعماله مرّةً أخرى في إزالة النّجاسة أو غسل إناء ونحوه .
قال الدسوقيّ: والكراهة مقيّدة بأمرين: أن يكون ذلك الماء المستعمل قليلًا كآنيّة الوضوء والغسل , وأن يوجد غيره , وإلّا فلا كراهة , كما أنّه لا كراهة إذا صبّ على الماء اليسير المستعمل ماء مطلق غير مستعمل , فإن صبّ عليه مستعمل مثله حتّى كثر لم تنتف الكراهة لأنّ ما ثبت للأجزاء يثبت للكلّ , واستظهر ابن عبد السّلام نفيها .
وقال الدّردير: الماء اليسير الّذي هو قدر آنيّة الغسل فأقل المستعمل في حدث يكره استعماله في حدث بشروط ثلاثة: أن يكون يسيرًا , وأن يكون أستعمل في رفع حدث لا حكم خبث , وأن يكون الاستعمال الثّاني في رفع حدث .
وعلى هذا فإنّ الماء المستعمل في حكم خبث لا يكره له استعماله , وأنّ الماء المستعمل في حدث لا يكره استعماله في حكم خبث , والرّاجح في تعليل الكراهة أنّه مختلف في طهوريّته. الماء المستعمل عند الشّافعيّة:
11 -الماء المستعمل عند الشّافعيّة: هو الماء القليل المستعمل في فرض الطّهارة عن حدث كالغسلة الأولى فيه , أو في إزالة نجسٍ عن البدن أو الثّوب , أمّا نفل الطّهارة كالغسلة الثّانية , والثّالثة فالأصح في الجديد أنّه طهور .
ويفرّق الشّافعيّة بين القليل الّذي لا يبلغ قلّتين , وبين الكثير الّذي يبلغ قلّتين فأكثر .
فيرون في المذهب الجديد: أنّ القليل من الماء المستعمل طاهر غير طهور , فلا يرفع حدثًا ولا يزيل نجسًا لأنّ السّلف الصّالح كانوا لا يحترزون عنه ولا عمّا يتقاطر عليهم منه .
فعن جابر رضي الله عنه قال: « جاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريضٌ لا أعقل فتوضّأ وصبّ عليّ من وضوئه فعقلت » .
ولأنّ السّلف الصّالح - مع قلّة مياههم - لم يجمعوا الماء المستعمل للاستعمال ثانيًا بل انتقلوا إلى التّيمم , كما لم يجمعوه للشّرب لأنّه مستقذر .
فإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلّتين فطهور على الأصحّ .
واختلف في علّة منع استعمال الماء المستعمل , قال الشّربيني: وهو الأصح: لأنّه غير مطلق كما صحّحه النّووي وغيره .
فإن جمع المستعمل على الجديد فبلغ قلّتين فطهور في الأصحّ لأنّ النّجاسة أشد من الاستعمال , والماء المتنجّس لو جمع حتّى بلغ قلّتين أي ولا تغير به صار طهورًا قطعًا , فالمستعمل أولى , ومقابل الأصحّ لا يعود طهورًا لأنّ قوّته صارت مستوفاةً بالاستعمال فالتحق بماء الورد ونحوه وهو اختيار ابن سريج .
ويقول الشّيرازي: الماء المستعمل ضربان: مستعمل في طهارة الحدث , ومستعمل في طهارة النّجس .
فأمّا المستعمل في طهارة الحدث فينظر فيه:
فإن أستعمل في رفع حدث فهو طاهر , لأنّه ماء طاهر لاقى محلًا طاهرًا , فكان طاهرًا , كما لو غسل به ثوب طاهر .
ثمّ قال: وأمّا المستعمل في النّجس فينظر فيه: