فإن انفصل من المحلّ وتغيّر فهو نجسٌ لقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّ الماء لا ينجّسه شيء إلّا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه » .
وإن كان غير متغيّر ففيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنّه طاهر , وهو قول أبي العبّاس وأبي إسحاق لأنّه ماء لا يمكن حفظه من النّجاسة فلم ينجس من غير تغير كالماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة .
والثّاني: أنّه ينجس , وهو قول أبي القاسم الأنماطيّ لأنّه ماء قليل لاقى نجاسةً , فأشبه ما وقعت فيه نجاسة .
والثّالث: أنّه إن انفصل والمحل طاهر فهو طاهر , وإن انفصل والمحل نجسٌ , فهو نجسٌ . وهو قول أبي العبّاس بن القاصّ لأنّ المنفصل من جملة الباقي في المحلّ: فكان حكمه في النّجاسة والطّهارة حكمه .
الماء المستعمل عند الحنابلة:
12 -قال الحنابلة: الماء الّذي أستعمل في رفع حدث أو إزالة نجسٍ ولم يتغيّر أحد أوصافه طاهر غير مطهّر لا يرفع حدثًا ولا يزيل نجسًا وهذا هو ظاهر المذهب عندهم . وعند أحمد رواية أخرى أنّه طاهر مطّهر .
أما الماء المستعمل في طهارة مستحبّة كتجديد الوضوء والغسلة الثّانية والثّالثة فيه والغسل للجمعة والعيدين وغيرهما ففيه روايتان:
إحداهما: أنّه كالمستعمل في رفع الحدث لأنّه طهارة مشروعة أشبه ما لو اغتسل به من جنابة .
والثّانية: لا يمنع الطّهوريّة لأنّه لم يزل مانعًا من الصّلاة أشبه ما لو تبرّد به , فإن لم تكن الطّهارة مشروعةً لم يؤثّر استعمال الماء فيها شيئًا كالغسلة الرّابعة في الوضوء لم يؤثّر استعمال الماء فيها شيئًا وكان كما لو تبرّد أو غسل به ثوبه , ولا تختلف الرّواية أنّ ما أستعمل في التّبرد والتّنظيف أنّه باق على إطلاقه , قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه خلافًا . وأمّا المستعمل في تعبد من غير حدث كغسل اليدين من نوم اللّيل , فإن قلنا ليس ذلك بواجب لم يؤثّر استعماله في الماء , وإن قلنا بوجوبه فقال القاضي: هو طاهر غير مطّهر, وذكر أبو الخطّاب فيه روايتين , إحداهما: أنّه يخرج عن إطلاقه لأنّه مستعمل في طهارة تعبد أشبه المستعمل في رفع الحدث , ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى أن يغمس القائم من نوم اللّيل يده في الإناء قبل غسلها » , فدلّ ذلك على أنّه يفيد منعًا .
والرّواية الثّانية أنّه باق على إطلاقه لأنّه لم يرفع حدثًا , أشبه المتبرّد به .
الماء المسخّن:
وهو إمّا أن يكون مسخّنًا بتأثير الشّمس فيه , وإمّا أن يكون مسخّنًا بتأثير غيرها .
أ - الماء المسخّن بتأثير الشّمس فيه"المشمّس":
13 -يطلق الفقهاء على الماء المسخّن بتأثير الشّمس فيه اسم الماء المشمّس وقد اختلفوا في حكم استعماله على قولين:
القول الأوّل: جواز استعماله مطلقًا من غير كراهة , سواء أكان هذا الاستعمال في البدن أم في الثّوب .
وبهذا قال الحنابلة وجمهور الحنفيّة وهو قول لبعض فقهاء المالكيّة والشّافعيّة كالنّوويّ والروياني .
القول الثّاني: كراهة استعماله: وذهب إليه المالكيّة في المعتمد عندهم و الشّافعيّة في المذهب وبعض الحنفيّة .
يقول الخطيب الشّربيني: ويكره شرعًا تنزيهًا الماء المشمّس أي ما سخّنته الشّمس , أي يكره استعماله في البدن في الطّهارة وغيرها كأكل وشرب , لما روى الشّافعي عن عمر رضي الله عنه أنّه: كان يكره الاغتسال بالماء المشمّس , وقال: يورّث البرص .
لكن بشرط أن يكون ببلاد حارّة أي تقلّبه الشّمس عن حالته إلى حالة أخرى , كما نقله في البحر عن الأصحاب في آنيّة منطبعة غير النّقدين وهي كل ما طرق كالنحاس ونحوه , وأن يستعمل في حال حرارته , لأنّ الشّمس بحدّتها تفصل منه زهومةً تعلو الماء , فإذا لاقت البدن بسخونتها خيف أن تقبض عليه فيحتبس الدّم فيحصل البرص .
وقال الدّردير: يكره المشمّس أي المسخّن بالشّمس في الأقطار الحارّة كأرض الحجاز لا في نحو مصر والروم .
وعقّب الدسوقيّ على قول الدّردير في الشّرح الكبير"والمعتمد الكراهة"بقوله: هو ما نقله ابن الفرات عن مالك واقتصر عليه جماعة من أهل المذهب .
وهذه الكراهة طبّيّة لا شرعيّة لأنّها لا تمنع من إكمال الوضوء أو الغسل , بخلاف ما لو كانت كراهته لشدّة حرارته فإنّها شرعيّة , والفرق بين الكراهتين: أنّ الشّرعيّة يثاب تاركها بخلاف الطّبّيّة .
ويقول ابن عابدين: قدّمنا في مندوبات الوضوء أنّ منها: أن لا يكون بماء مشمّسٍ , وبه صرّح في الحلية مستدلًا بما صحّ عن عمر من النّهي عنه , ولذا صرّح في الفتح بكراهته , ومثله في البحر .
وقال في معراج الدّراية وفي القنية: وتكره الطّهارة بالمشمّس , لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين سخّنت الماء بالشّمس: « لا تفعلي يا حميراء فإنّه يورث البرص » , وفي الغاية: يكره بالمشمّس في قطر حار في أوان منطبعة .
ب - الماء المسخّن بغير الشّمس:
14 -ذهب المالكيّة و الشّافعيّة إلى أنّ الماء المسخّن بالنّار لا يكره استعماله لعدم ثبوت نهي عنه ولذهاب الزهومة لقوّة تأثيرها , وأضاف الشّافعيّة: ولو كان التّسخين بنجاسة مغلّظة وإن قال بعضهم فيه وقفة .
وأمّا شديد السخونة أو البرودة فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يكره في الطّهارة لمنعه الإسباغ .
وذهب الحنابلة إلى أنّ الماء المسخّن بالنّجاسة على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتحقّق وصول شيء من أجزاء النّجاسة إلى الماء فينجّسه إذا كان يسيرًا . والثّاني: ألّا يتحقّق وصول شيء من أجزاء النّجاسة إلى الماء , والحائل غير حصين فالماء على أصل الطّهارة ويكره استعماله .