فهرس الكتاب

الصفحة 1961 من 2053

الثّالث: إذا كان الحائل حصينًا فقال القاضي يكره , واختار الشّريف أبو جعفر وابن عقيل أنّه لا يكره , لأنّه غير متردّد في نجاسته , بخلاف الّتي قبلها .

وذكر أبو الخطّاب في كراهة المسخّن بالنّجاسة روايتين على الإطلاق .

الماء المختلط:

وهو إمّا أن يكون مختلطًا بطاهر , أو يكون مختلطًا بنجس .

أوّلًا - حكم الماء المختلط بطاهر:

15 -اتّفق الفقهاء على أنّ الماء إذا اختلط به شيء طاهر - ولم يتغيّر به لقلّته - لم يمنع الطّهارة به , لأنّ الماء باق على إطلاقه .

كما اتّفقوا على أنّ الماء إذا خالطه طاهر لا يمكن الاحتراز منه - كالطحلب والخزّ وسائر ما ينبت في الماء , وكذا أوراق الشّجر الّذي يسقط في الماء أو تحمله الرّيح فتلقيه فيه , وما تجذبه السيول من العيدان والتّبن ونحوه كالكبريت وغيره - فتغيّر به يجوز التّطهير به , لأنّه يشق التّحرز منه .

أمّا الماء الّذي خالطه طاهر يمكن الاحتراز عنه - كزعفران وصابون ونحوهما - فتغيّر به أحد أوصافه فقد اختلفوا في حكمه إلى فريقين:

الفريق الأوّل: وهم الحنفيّة وأحمد في رواية: يرون أنّه طاهر مطهّر , إلّا أنّ الحنفيّة يشترطون أن لا يكون التّغيير عن طبخ , أو عن غلبة أجزاء المخالط حتّى يصير ثخينًا . قال صاحب الهداية: وتجوز الطّهارة بماء خالطه شيء طاهر فغيّر أحد أوصافه , كماء المدّ , والماء الّذي اختلط به اللّبن أو الزّعفران أو الصّابون أو الأشنان . . . إلى أن يقول: ولا يجوز - أي التّطهر - بماء غلب عليه غيره , فأخرجه عن طبع الماء , كالأشربة والخلّ وماء الباقلّا , لأنّه لا يسمّى ماءً مطلقًا , والمراد بماء الباقلّا وغيره: ما تغيّر بالطّبخ , فإن تغيّر بدون الطّبخ يجوز التّوضّؤ به .

وقال ابن قدامة: ونقل عن أحمد جماعة من أصحابه , منهم أبو الحارث والميموني وإسحاق بن منصور جواز الوضوء به .

واستدلوا بقوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } . فقد أمر اللّه عزّ وجلّ باستعمال الماء - منكّرًا - عند إرادة الصّلاة , ولم يبح التّيمم إلّا عند عدم وجوده والقدرة على استعماله , فدلّ هذا على طهوريّته وعدم جواز التّيمم مع وجوده , سواء أكان الواقع فيه مسكًا أم عسلًا أم نحو ذلك .

وبما ورد عن أمّ هانئٍ رضي الله عنها قالت: « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين » .

فهذا الحديث واضح الدّلالة في جواز التّطهر بالماء إذا خالطه شيء طاهر يمكن الاحتراز عنه , لأنّه لو كان اختلاطٌ يمنع التّطهر لما اغتسل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بماء فيه أثر العجين فدلّ هذا على طهوريّته , ولأنّ الماء طهور بأصل خلقته , وقد خالطه طاهر لم يسلبه اسم الماء ولا رقّته ولا جريانه , فأشبه المتغيّر بالدهن ,أو المختلط بالطحلب وشبهه. والفريق الثّاني: وهم المالكيّة والشّافعيّة وأحمد في رواية أخرى أنّه طاهر غير مطهّر .

قال صاحب أسهل المدارك: والمتغيّر بالطّاهر كاللّبن طاهر في نفسه غير طهور , يستعمل في العادات كالطّبخ والشّرب , ولا يستعمل في العبادات كالوضوء والغسل .

وقال النّووي: منع الطّهارة بالمتغيّر بمخالطة ما ليس بمطهّر والماء يستغنى عنه هو مذهبنا .

وقال ابن قدامة: ما خالطه طاهر يمكن التّحرز منه فغيّر إحدى صفاته - طعمه أو لونه أو ريحه - كماء الباقلّا وماء الحمّص وماء الزّعفران , اختلف أهل العلم في الوضوء به , واختلفت الرّواية عن إمامنا - رحمه اللّه - في ذلك . فروي عنه: لا تحصل الطّهارة به .. قال القاضي أبو يعلى: وهي الأصح وهي المنصورة عند أصحابنا في الخلاف , وقال المرداوي وهي المذهب .

واستدلوا بأنّه ماء تغيّر بمخالطة ما ليس بطهور , ويمكن الاحتراز منه , فلم يجز الوضوء به كماء الباقلّا المغلي , وبأنّ اختلاط الماء بطاهر يمكن الاحتراز عنه كالزّعفران ونحوه يمنعه الإطلاق , ولهذا لا يحنث بشربه الحالف على ألّا يشرب ماءً , ولقياسه على ماء الورد .

ثانيًا - حكم الماء إذا تغيّر بمجاورة طاهر:

16 -إذا تغيّر الماء بمجاورة طاهر كالدهن والطّاهرات الصلبة كالعود والكافور , إذا لم يهلك في الماء ولم يمع فيه فهو طاهر مطهّر عند الحنفيّة والحنابلة وبعض المالكيّة , لأنّ هذا التّغيير إنّما هو من جهة المجاورة فلا يضر , لأنّه لا يمنع إطلاق الاسم عليه , فهو يشبه تروح الماء بريح شيء على جانبه .

والأظهر عند الشّافعيّة أنّه لا يضر متغيّر بمجاور طاهر كعود ودهن , مطيّبين أو لا , أو بتراب طرح فيه , لأنّ تغيره بذلك لكونه في الأوّل تروحًا , وفي الثّاني كدورةً لا يمنع إطلاق اسم الماء عليه .

ويرى المالكيّة في المعتمد لديهم , والشّافعيّة في مقابل الأظهر: أنّه طاهر غير مطهّر , قياسًا على المتغيّر المختلط .

أمّا إذا هلك المجاور الطّاهر وماع في الماء فحكمه حكم الطّاهر .

ثالثًا - حكم الماء المختلط بنجس:

17 -اتّفق الفقهاء على أنّ الماء إذا خالطته نجاسة , وغيّرت أحد أوصافه , كان نجسًا , سواء أكان الماء قليلًا أم كثيرًا .

قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة , فغيّرت للماء طعمًا أو لونًا أو رائحةً أنّه نجسٌ ما دام كذلك .

واختلفوا في الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغيّر أحد أوصافه على قولين:

القول الأوّل: أنّ الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغيّر أحد أوصافه , فهو طاهر سواء أكان كثيرًا أم قليلًا , وهذه رواية عن مالك , وإحدى الرّوايتين عن أحمد , وبه قال بعض الشّافعيّة , وإليه ذهب جماعة من الصّحابة والتّابعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت