يقول ابن رشد: اختلفوا في الماء الّذي خالطته نجاسة ولم تغيّر أحد أوصافه , فقال قوم: هو طاهر سواء أكان كثيرًا أم قليلًا , وهي إحدى الرّوايات عن مالك .
ويقول ابن قدامة: وأمّا ما دون القلّتين إذا لاقته النّجاسة فلم يتغيّر بها فالمشهور في المذهب أنّه ينجس , وروي عن أحمد رواية أخرى: أنّ الماء لا ينجس إلّا بالتّغير قليله وكثيره .
واستدلّ أصحاب هذا القول بما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إنّ الماء لا ينجّسه شيء , إلّا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه » .
القول الثّاني: يفرّق بين كونه قليلًا وبين كونه كثيرًا , فإن كان الماء قليلًا ينجس , وإن كان كثيرًا لا ينجس .
وإلى هذا ذهب الحنفيّة , وهو رواية عن مالك , والمذهب عند الشّافعيّة , والمشهور عند الحنابلة , وهو رأي جماعة من الصّحابة والتّابعين .
18 -لكنّ أصحاب هذا القول اختلفوا في الحدّ الفاصل بين القليل والكثير على ثلاثة مذاهب: المذهب الأوّل: وهو مذهب الحنفيّة يرى: أنّ الماء إن كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل , وإن كان لا يخلص فهو كثير .
والمعتبر في الخلوص التّحريك , فإن كان بحال لو حرّك طرف منه يتحرّك الطّرف الآخر فهو ممّا يخلص , وإن كان لا يتحرّك فهو ممّا لا يخلص .
واختلفوا في جهة التّحريك: فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنّه يعتبر التّحريك بالاغتسال من غير عنف , وروى محمّد عنه أنّه يعتبر التّحريك بالوضوء , وفي رواية باليد من غير اغتسال ولا وضوء .
واستدلوا بما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها ثلاثًا , فإنّه لا يدري أين باتت يده » .
فلو كان ماء الإناء لا ينجس بالغمس لم يكن للنّهي لوهم النّجاسة معنىً , ومعلوم أنّ ماء الإناء إذا حرّكه آدميّ من أحد طرفيه سرت الحركة فيه إلى الطّرف الآخر .
وبما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرّاتٍ أوّلاهنّ بالتراب » .
فقد أوجب النّبي صلى الله عليه وسلم غسل الإناء سبع مرّاتٍ أوّلاهنّ بالتراب إذا ولغ فيه الكلب , وولوغ الكلب لا يغيّر لون الماء ولا طعمه ولا ريحه , وإنّما يحرّكه .
المذهب الثّاني: وهو مذهب مالك , ويرى أنّه إن تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل , وإن لم يتغيّر فهو كثير .
واستدلوا بما روي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « إنّ الماء لا ينجّسه شيء إلّا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه » .
وفي رواية: « إنّ الماء طاهر , إلّا إن تغيّر ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه » . فهاتان الرّوايتان تفيدان أنّ التّغيير وعدمه معتبر في معرفة الطّاهر من النّجس , وإذا كان كذلك كان حدًا فاصلًا بين القليل والكثير , بالقياس على ما إذا ورد الماء على النّجاسة , فإنّه يبقى على طهارته ما لم يتغيّر .
المذهب الثّالث: وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة , ويرون أنّ الماء إذا بلغ قلّتين فهو كثير , وإلّا فهو قليل .
واستدلوا بما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون في الفلاة وما ينوبه من الدّوابّ والسّباع , فقال: « إذا كان الماء قلّتين لم يحمل الخبث » , وفي رواية: « إذا كان الماء قلّتين لم ينجّسه شيء » .
فتحديد الماء بالقلّتين ونفي النّجاسة عنه يدل على أنّ ما دونهما ينجس , إذ لو استوى حكم القلّتين وما دونهما لم يكن للتّحديد معنىً .
ولأنّ الأصول مبنيّة على أنّ النّجاسة إذا صعبت إزالتها وشقّ الاحتراز منها عفي عنها , كدم البراغيث وسلس البول والاستحاضة ، وإذا لم يشقّ الاحتراز لم يعف عنها كغير الدّم من النّجاسات , ومعلوم أنّ قليل الماء لا يشق حفظه , وكثيره يشق , فعفي عمّا شقّ دون غيره , وضبط الشّرع حدّ القلّة بقلّتين فتعيّن اعتماده , ولا يجوز لمن بلغه الحديث العدول عنه .
واختلف الفقهاء في حكم الماء المختلط بنجس في حالتي الجريان والركود .
وفيما يلي أقوال الفقهاء في ذلك:
أوّلًا - مذهب الحنفيّة:
19 -فرّق فقهاء الحنفيّة بين كون الماء جاريًا أو راكدًا:
فإن وقع في الماء نجاسة وكان جاريًا والنّجاسة غير مرئيّة , ولم تغيّر أحد أوصاف الماء: فهو طاهر عندهم .
يقول الكاساني: فإن وقع - أي النّجس - في الماء: فإن كان جاريًا:
أ - فإن كان النّجس غير مرئي كالبول والخمر ونحوهما: لا ينجس ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه , ويتوضّأ منه من أيّ موضع كان من الجانب الّذي وقع فيه النّجس أو من جانب آخر . كذا ذكره محمّد .
ثمّ قال: وعن أبي حنيفة في الجاهل بال في الماء الجاري ورجل أسفل منه يتوضّأ به ؟ قال: لا بأس به , وهذا لأنّ الماء الجاري ممّا لا يخلص بعضه إلى بعض , فالماء الّذي يتوضّأ به يحتمل أنّه نجسٌ , ويحتمل أنّه طاهر , والماء طاهر في الأصل فلا نحكم بنجاسته بالشّكّ . ب - وإن كانت النّجاسة مرئيّةً كالجيفة ونحوها , فإن كان جميع الماء يجري على الجيفة لا يجوز التّوضّؤ من أسفل الجيفة لأنّه نجسٌ بيقين , والنّجس لا يطهر بالجريان .
وإن كان أكثره يجري على الجيفة فكذلك , لأنّ العبرة للغالب .
وإن كان أقله يجري على الجيفة , والأكثر يجري على الطّاهر يجوز التّوضّؤ به من أسفل الجيفة , لأنّ المغلوب ملحق بالعدم في أحكام الشّرع .
وإن كان يجري عليها النّصف , أو دون النّصف فالقياس أنّه يجوز التّوضّؤ به , لأنّ الماء كان طاهرًا بيقين , فلا يحكم بكونه نجسًا بالشّكّ .