فهرس الكتاب

الصفحة 1964 من 2053

وقال المالكيّة: إنّ الماء النّجس يطهر بصبّ الماء عليه ومكاثرته حتّى يزول التّغير .

ولو زال التّغير بنفسه أو بنزح بعضه ففيه قولان .

والتّفصيل في مصطلح ( طهارة ف / 16 ) .

وأمّا الشّافعيّة والحنابلة: فقد فرّقوا بين ما إذا كان الماء المراد تطهيره دون القلّتين وبين ما إذا كان وفق القلّتين أو يزيد .

أ - فإن كان الماء دون القلّتين: فتطهيره يكون بالمكاثرة .

وليس المراد بالمكاثرة صب الماء دفعةً واحدةً , بل المراد إيصال الماء على ما يمكنه من المتابعة , إمّا من ساقية , وإمّا دلوًا فدلوًا , أو يسيل إليه ماء المطر .

غير أنّ الشّافعيّة قالوا: يكون التّكثير حتّى يبلغ قلّتين , سواء أكان الماء الّذي كاثره به طاهرًا أم نجسًا , قليلًا أم كثيرًا , لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم: « إذا كان الماء قلّتين لم يحمل الخبث » .

أمّا الحنابلة فقالوا: يكون التّكثير بقلّتين طاهرتين , لأنّ القلّتين لو ورد عليهما ماء نجسٌ لم ينجّسهما ما لم تتغيّر به , فكذلك إذا كانت واردةً , ومن ضرورة الحكم بطهارتهما طهارةً ما اختلطتا به .

ب - وإن كان الماء وفق القلّتين: فإمّا أن يكون غير متغيّر بالنّجاسة , وحينئذٍ يطهر بالمكاثرة لا غير .

وإمّا أن يكون متغيّرًا بها فيطهر بأحد أمرين: بالمكاثرة إذا زال التّغير , أو بتركه حتّى يزول تغيره بطول مكثه .

ولا يطهر بأخذ بعضه حينئذٍ ولو زال به التّغير , لأنّه ينقص عن قلّتين وفيه نجاسة .

ج - وإن كان الماء يزيد عن قلّتين فله حالان:

إحداهما: أن يكون نجسًا بغير التّغير , فلا سبيل إلى تطهيره بغير المكاثرة .

والثّاني: أن يكون متغيّرًا بالنّجاسة فتطهيره بأحد أمور ثلاثة: بالمكاثرة , أو بزوال تغيره بمكثه , أو بالأخذ منه ما يزول به التّغير ويبقى بعد ذلك قلّتان فصاعدًا . فإن بقي ما دون القلّتين قبل زوال تغيره لم يبق التّغير علّة تنجيسه , لأنّه تنجّس بدونه فلا يزول التّنجيس بزواله , ولذلك طهر الكثير بالنّزح وطول المكث ولم يطهر القليل , فإنّ الكثير لمّا كانت علّة تنجيسه التّغير زال تنجيسه بزوال علّته كالخمرة إذا انقلبت خلًا , والقليل علّة تنجيسه الملاقاة لا التّغير فلم يؤثّر زواله في زوال التّنجيس .

واختلفوا في تطهيره بالتراب أو الجصّ إن زال به التّغير على قولين:

الأوّل: لا يطهر , كما لا يطهر إذا طرح فيه كافور أو مسك فزالت رائحة النّجاسة , ولأنّ التراب أو الجصّ لا يدفع النّجاسة عن نفسه فعن غيره أولى , وهو الأصح عند الشّافعيّة . والثّاني: يطهر , لأنّ علّة نجاسته التّغير وقد زال , فيزول التّنجيس كما لو زال بمكثه أو بإضافة ماء آخر , ويفارق الكافور والمسك لأنّه يجوز أن تكون الرّائحة باقيةً , وإنّما لم تظهر لغلبة رائحة الكافور والمسك .

تطهير مياه الآبار:

24 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إذا تنجّس ماء البئر فإنّ تطهيره يكون بالتّكثير إلى أن يزول التّغير ويكون التّكثير بالتّرك حتّى يزيد الماء ويصل إلى حدّ الكثرة أو بصبّ ماء طاهر فيه حتّى يصل هذا الحدّ .

كما ذهب المالكيّة والحنابلة إلى اعتبار النّزح طريقًا للتّطهير أيضًا .

وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا تنجّس ماء البئر فإنّ تطهيره يكون بالنّزح فقط .

وتفصيل ذلك في مصطلح ( آبار ف / 21 - 32 ) .

اختلاط الأواني واشتباه ما فيها من الماء الطّهور بالماء المتنجّس:

25 -إذا اختلطت الأواني اختلاط مجاورة , وكان في بعضها ماء طهور , وفي البعض الآخر ماء نجسٌ واشتبه الأمر على الشّخص , ولا قدرة له على إيجاد ماء آخر طهور غير الّذي في بعضها , فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على خمسة أقوال:

القول الأوّل: يجب عليه الاجتهاد والتّحرّي لمعرفة الطّهور منها , فإذا اجتهد وغلب على ظنّه طهوريّة أحدها بعلامة تظهر جاز له التّطهر به , وإلّا فلا .

وبهذا قال جمهور الشّافعيّة , وبعض المالكيّة .

واستدلوا بقوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } . وهذا واجد للماء فلم يجز التّيمم , ووجب الاجتهاد , وبأنّ التّطهر شرطٌ من شروط صحّة الصّلاة يمكن التّوصل إليه بالاجتهاد , فوجب قياسًا على القبلة , وعلى الاجتهاد في الأحكام وفي تقويم المتلفات وإن كان قد يقع في الخطأ .

القول الثّاني: يجب عليه الاجتهاد والتّحرّي إذا كان عدد أواني الماء الطّهور أكثر من عدد أواني النّجس , فإن كان عدد أواني الماء الطّهور مساويًا لعدد أواني النّجس أو أقلّ لا يجوز له التّحرّي , بل يتيمّم .

وبهذا قال الحنفيّة , وبعض الحنابلة .

واستدلوا بحديث الحسن بن علي رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . وكثرة النّجس تريب , فوجب تركه والعدول إلى ما لا ريب فيه وهو التّيمم , وبأنّ الأصول مقرّرة على أنّ كثرة الحرام واستواء الحلال والحرام يوجب تغليب حكمه في المنع كأخت أو زوجة اختلطت بأجنبيّة .

وبالقياس على ما لو اشتبه ماء وبول , فإنّه لا يجتهد فيه بل يتيمّم .

القول الثّالث: لا يجوز التّحرّي في المياه المختلطة عند الاشتباه مطلقًا , بل يترك الجميع ويتيمّم .

وهو أحد قولي سحنون من المالكيّة , وبه قال أبو ثور والمزني من الشّافعيّة , وأحمد وأكثر أصحابه .

واستدلوا بأنّه إذا اجتهد قد يقع في النّجس , وأنّه اشتبه طاهر بنجس فلم يجز الاجتهاد فيه كما لو اشتبه ماء وبول .

ثمّ اختلف هؤلاء فيما بينهم: فقال أحمد في إحدى الرّوايتين: لا يتيمّم حتّى يريق الماء لتحقق عدم الماء .

وقال سحنون وأبو ثور والمزني: يتيمّم وإن لم يرقه لأنّه كالمعدوم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت