أ- صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة ، أي بسبع وعشرين مثوبة مثل مثوبة صلاة المنفرد ، وهذه السبع والعشرون مثوبة هي مضافة لوصف صلاة الجماعة خاصة ، ألا ترى أن من صلى وحده ثم صلى في جماعة حصلت له ، مع أن الإعادة في جماعة غير واجبة ، فصار وصف الجماعة المندوب أكثر ثوابا من ثواب الصلاة الواجبة ، وهو مندوب فَضُل واجبا ، فدل ذلك على أن مصلحته عند الله أكثر من مصلحة الواجب . ب- الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من ألف صلاة في غيره بألف مثوبة مع أن الصلاة فيه غير واجبة ، فقد فضل المندوب الذي هو الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الواجب الذي هو أصل الصلاة .
ج- الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في غيره ، مع أن الصلاة فيه غير واجبة ، فقد فضل المندوب الواجب الذي هو أصل الصلاة من حيث هي صلاة .
د- الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة ، مع أن الصلاة فيه غير واجبة ، فقد فضل المندوب الواجب الذي هو أصل الصلاة .
هـ- روي أن صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك ، مع أن وصف السواك مندوب إليه ليس بواجب ، فقد فضل المندوب الواجب الذي هو أصل الصلاة .
و- الخشوع في الصلاة مندوب إليه لا يأثم تاركه . فهو غير واجب مع أنه قد ورد ( عن أبي قتادة قال"بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال ، فلما صلى قال"ما شأنكم ؟ قالوا استعجلنا إلى الصلاة . قال فلا تفعلوا ، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) وفي 41 105 حديث آخر ( وما فاتكم فاقضوا )
قال بعض العلماء إنما أمر بعدم الإفراط في السعي ، لأنه إذا قدم على الصلاة عقيب شدة السعي يكون عنده انبهار وقلق يمنعه من الخشوع اللائق بالصلاة ، فأمره عليه الصلاة والسلام بالسكينة والوقار واجتناب ما يؤدي إلى فوات الخشوع وإن فاتته الجمعة والجماعات ، وذلك يدل على أن الخشوع أعظم من مصلحة وصف الجمعة والجماعات مع أن الجمعة واجبة ، فقد فضل المندوب الواجب في هذه الصورة فهي على خلاف القاعدة العامة التي تقدم تقريرها التي شهد لها الحديث في قوله تعالى ( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )
لزوم النفل بالشروع
لزوم النفل بالشروع
6-اتفق الفقهاء على لزوم إتمام حج النفل والعمرة بعد الشروع فيهما .
كما اتفقوا على أن من نوى الصدقة بمال مقدر ، وشرع في الصدقة به ، فأخرج بعضه لم تلزمه الصدقة بباقيه .
وإنما اختلفوا في لزوم إتمام النفل من الصلاة والصوم بعد الشروع فيهما .
فذهب الحنفية والمالكية إلى أنه من شرع في صلاة النفل أو في صوم النفل يؤاخذ بالمضي فيه ، ولو لم يمض يؤاخذ بالقضاء ، لأن المؤدى موصوف بأنه لله تعالى ، وقد صار مسلّما بالأداء ، ولهذا لو مات كان مثابا على ذلك ، فيجب التحرز عن إبطاله مراعاة لحق صاحب الحق ، وهذا التحرز لا يتحقق إلا بالإتمام فيما لا يحتمل الوصف بالتجزي عبادة ، فيجب الإتمام لهذا وإن كان في نفسه نفلا ، ويجب القضاء إذا أفسده لوجود التعدي فيما هو حق الغير بمنزلة المنذور ، فالمنذور في الأصل مشروع نفلا ، ولهذا لا يكون مستداما كالنوافل ، إلا أنه 41 106 لمراعاة التسمية بالنذر يلزمه أداء المشروع نفلا ، فإذا وجب الابتداء لمراعاة التسمية فلأن يجب الإتمام لمراعاة ما وجد منه الابتداء ابتداء كان أولى ، وهو نظير الحج فإن المشروع منه نفلا يصير واجب الأداء لمراعاة التسمية حقا للشرع ، فكذلك الإتمام بعد الشروع في الأداء يجب حقا للشرع .
وقد روي عن أحمد في الصلاة ما يدل على أنها تلزم بالشروع ، فإن الأثرم قال قلت لأبي عبد الله الرجل يصبح صائما متطوعا فيكون بالخيار ، والرجل يدخل في الصلاة له أن يقطعها ؟ فقال الصلاة أشد أما الصلاة فلا يقطعها ، قيل له فإن قطعها قضاها ؟ قال فإن قضاها فليس فيه اختلاف ، ومال أبو إسحاق الجوزجاني إلى هذا القول ، وقال الصلاة ذات إحرام وإحلال فلزمت بالشروع فيها .
وأضاف الحنفية أنه إذا افتتح التنفل بالصلاة حالة الطلوع والغروب والانتصاف ثم أفسدها لزمه القضاء في ظاهر الرواية .
ولو شرع في صوم يوم النحر وأيام التشريق ثم أفسده لم يلزمه القضاء .
والفرق أن النهي إنما ورد عن الصلاة في هذه الأوقات ، والصلاة إنما هي أركان مثل القيام والركوع والسجود ، فابتداء الافتتاح ليس بصلاة ، فلم يوجد ما هو المنهي عنه ، فجاز أن يلزمه .
وليس كذلك الصوم لأن النهي ورد في صوم يوم النحر ، وابتداء الصوم صوم ، لأن الصوم ليس هو إلا الإمساك ، فوجد الفعل المنهي عنه ، فجاز أن لا يثبت حكمه ولا يؤمر بإتمامه .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من تلبس بنفل - غير حج وعمرة - فله قطعه ولا قضاء عليه إذا خرج منه ، واستدلوا بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صوم النفل ( الصائم المتطوع أمين نفسه ، إن شاء صام وإن شاء أفطر ) وقال والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم . .
وقاسوا الصلاة على الصوم وقالوا يقاس بذلك بقية النوافل غير الحج والعمرة كاعتكاف وطواف ووضوء وقراءة سورة الكهف ليلة الجمعة أو يومها والتسبيحات عقب الصلاة ، ولئلا يغير الشروع حكم المشروع فيه .
41 107 وصرح الشافعية بأنه يكره الخرج من النفل غير الحج والعمرة بلا عذر ، لظاهر قوله تعالى { وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه .