أَحْكَامُ رُجُوعِ الْمُرْفِقِ وَأَثَرِهِ عَلَى الِارْتِفَاقِ: 24 - الْمُعْتَمَدُ فِي الْإِرْفَاقِ بِالْغَرْزِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ فِيهِ بَعْدَ الْإِذْنِ , طَالَ الزَّمَانُ أَوْ قَصُرَ , عَاشَ أَوْ مَاتَ ( الْمُرْتَفِقُ ) , إلَّا أَنْ يَنْهَدِمَ الْجِدَارُ فَلَا يُعِيدُ الْغَرْزَ إلَّا بِإِرْفَاقٍ جَدِيدٍ , وَأَمَّا إعَادَةُ الْعَرْصَةِ لِلْبِنَاءِ فَالرَّاجِحُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ حَيْثُ لَمْ يُقَيَّدْ بِأَجَلٍ , وَلَوْ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ مَا يُرْفَقُ وَيُعَارُ لِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ , وَلَكِنْ عَلَى الْمُرْفِقِ دَفْعُ مَا أَنْفَقَ الْمُرْتَفِقُ أَوْ قِيمَتِهِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَرْصَةِ وَالْجِدَارِ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى الْقَضَاءَ بِإِعَارَةِ الْجِدَارِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الْإِعَارَةِ ضَرَرٌ , وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ حَنْبَلٍ . وَمَا ذُكِرَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرْصَةِ مِنْ جَوَازِ الرُّجُوعِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ . وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ زَرْقُونٍ حُكْمَ الْعَرْصَةِ جَارِيًا فِي الْجِدَارِ أَيْضًا , لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَنْفَعَةٌ , وَرَجَّحَهُ ابْنُ رِحَالٍ فَقَالَ: قَدْ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجِدَارِ وَالْعَرْصَةِ فِي أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ صَاحِبَيْهِمَا الرُّجُوعَ حَيْثُ لَمْ يُقَيَّدْ بِأَجَلٍ بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَ الْمُرْفِقُ كُلًّا مِنْهُمَا مَا أَنْفَقَهُ , وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ يَرْتَفِقُ فِيهَا الْمُعَارُ , فَهُنَاكَ إذَنْ رَأْيَانِ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْعَرْصَةِ
إرْثٌ
إرْثٌ التَّعْرِيفُ: 1 - مِنْ مَعَانِي الْإِرْثِ فِي اللُّغَةِ: الْأَصْلُ , وَالْأَمْرُ الْقَدِيمُ تَوَارَثَهُ الْآخَرُ عَنْ الْأَوَّلِ , وَالْبَقِيَّةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ . وَهَمْزَتُهُ أَصْلُهَا وَاوٌ . وَيُطْلَقُ الْإِرْثُ وَيُرَادُ مِنْهُ انْتِقَالُ الشَّيْءِ مِنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ آخَرِينَ . وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ مِنْهُ الْمَوْرُوثُ . وَيُقَارِبُهُ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ فِي الْمَعْنَى التَّرِكَةُ . وَعِلْمُ الْمِيرَاثِ - وَيُسَمَّى أَيْضًا عِلْمَ الْفَرَائِضِ - هُوَ عِلْمٌ بِأُصُولٍ مِنْ فِقْهٍ وَحِسَابٍ تُعَرِّفُ حَقَّ كُلٍّ فِي التَّرِكَةِ . وَالْإِرْثُ اصْطِلَاحًا: عَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي أَفْضَلُ الدِّينِ الْخُونَجِيُّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهُ حَقٌّ قَابِلٌ لِلتَّجَزُّؤِ يَثْبُتُ لِمُسْتَحِقِّهِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ نَحْوِهَا . أَهَمِّيَّةُ الْإِرْثِ: 2 - مَعْرِفَةُ الْفَرَائِضِ مِنْ أَهَمِّ الْعُلُومِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَرْكَانِ الدِّينِ . وَقَدْ حَثَّ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَلَى تَعْلِيمِهَا وَتَعَلُّمِهَا . فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه . أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ , وَتَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ , فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ , وَسَيُقْبَضُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ بَعْدِي حَتَّى يَتَنَازَعَ الرَّجُلَانِ فِي فَرِيضَةٍ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا } . وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ مُذَاكَرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَمُدِحُوا عَلَى ذَلِكَ .
عَلَاقَةُ الْإِرْثِ بِالْفِقْهِ: 3 - وَالْفُقَهَاءُ فِي الْمَذَاهِبِ الْإِسْلَامِيَّةِ حِينَ يَتَكَلَّمُونَ عَنْ الْمِيرَاثِ يُعَنْوِنَونَ لِذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ بِكِتَابِ الْفَرَائِضِ . وَقَدْ أَفْرَدَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِكُتُبٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَنْ كُتُبِ الْفِقْهِ . وَابْتَدَأَ ذَلِكَ مِنْ الْقَرْنِ الثَّانِي لِلْهِجْرَةِ مَعَ ابْتِدَاءِ تَدْوِينِ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ . وَمِنْ أَوَّلِ مَنْ أَلَّفَ الْكُتُبَ الْخَاصَّةَ بِأَحْكَامِ الْفَرَائِضِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو ثَوْرٍ . وَكَانَتْ كُتُبُ الْفِقْهِ الْمُدَوَّنَةُ فِي هَذَيْنِ الْقَرْنَيْنِ خَالِيَةً مِنْ أَحْكَامِ الْفَرَائِضِ مِثْلَ الْمُدَوَّنَةِ لِسَحْنُونٍ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , وَالْأُمِّ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ . وَعَلَى الْخِلَافِ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ كُتُبُ السُّنَّةِ , فَقَدْ شَمِلَتْ أَحْكَامَ الْفَرَائِضِ مَعَ أَحْكَامِ الْفِقْهِ كَالْمُوَطَّأِ وَمُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ , وَصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ , وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ . وَلَمْ تَبْدَأْ كُتُبُ الْفِقْهِ تَشْمَلُ أَحْكَامَ الْفَرَائِضِ إلَّا فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ , مِثْلَ رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَمُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ , وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ كَذَلِكَ .