الأول يكون من جهة التلبيس بالحق ، كأن يقول أتترك التنعم باللذات ، فإن العمر طويل ، والصبر عنها طول العمر ألمه عظيم . فإذا ذكر العبد عظيم حق الله ، وعظيم ثوابه وعقابه ، وقال لنفسه الصبر عن الشهوات شديد لكن الصبر على النار أشد منه ، ولا بد من أحدهما فإذا ذكر العبد وعد الله تعالى ووعيده وجدد إيمانه ويقينه خنس الشيطان .
الثاني أن يكون بتحريك الشهوة إلى المعصية ، ودفعها بالعلم بأنها معصية لله تعالى .
الثالث أن تكون الوسوسة بمجرد الخواطر ، والفكر في أمرٍ غير الصلاة . فإن أقبل الإنسان على ذكر الله اندفعت ، ثم تعود . ويتصور أن يجتمع الوسوسة من هذا النوع مع الذكر ، كأنهما في موضعين من القلب .
مدافعة وسوسة الشيطان في شأن الإيمان
مدافعة وسوسة الشيطان في شأن الإيمان
9-يتعرض الشيطان لكثير من أهل الإيمان ، وخاصة أهل العلم منهم بوساوس الكفر التي يلقيها إليهم ، من أجل فتنتهم عن دينهم . قال ابن تيمية المؤمن يبتلى بوساوس الكفر التي يضيق بها صدره ، كما ورد ( أن الصحابة قالوا يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به فقال صلى الله عليه وسلم"الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ) ". وفي حديث آخر ( سُئل النبي صلى الله عليه وسلم في الوسوسة قال"تلك محض الإيمان ) ".
43 151 يعني أن حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له ، ودفعه عن القلب ، هو من صريح الإيمان ، كالمجاهد الذي جاءه العدو فدافعه حتى غلبه . وإنما صار صريحًا لما كرهوا تلك الوساوس الشيطانية فدفعوها ، فخلص الإيمان فصار صريحًا ، قال ومن الناس من يجيب تلك الوساوس فيصير كافرًا أو منافقًا ، قال والشيطان يكثر تعرضه للعبد إذا أراد الإنابة إلى ربه ، والتقرب إليه ، والاتصال به فلهذا يعرض للمصلين ما لا يعرض لغيرهم ، ويعرض للخاصة أهل العلم والدين أكثر مما يعرض للعامة ، قال ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم .
ومن وساوس الشيطان في هذا الباب ما نبه إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله" ( يأتي الشيطان أحدكم ، فيقول من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول من خلق ربك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله وَلْيَنْتَهِ ) ".
ثالثا الوسوسة الناشئة عن المبالغة في الاحتياط والورع
ثالثا الوسوسة الناشئة عن المبالغة في الاحتياط والورع
10-الوسوسة نوع من المبالغة في الورع والاحتياط ، حتى يخرج الموسوس من حدّ الورع إلى ما ليس منه ، وهو التشدد في الدين ، والخروج عن سماحته ويسره ، وعن مسلك السلف الصالحين .
قال الهيتمي في شرحه لحديث" ( الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ) "إن الشيء إذا لم يتنازعه دليلان فهو حلال بين أو حرام بين ، وإن تنازعه سبباهما ، فإن كان سبب التحريم مجرد توهم وتقدير لا مستند له ، كترك التزوج من نساء بلد كبير خشية أن يكون له فيها محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة ، وترك استعمال ماء لمجرد احتمال وقوع نجاسة فيه ، ألغي ولم يلتفت إليه 43 152 بكل حال ؛ لأن ذلك التجويز هوس ، فالورع فيه وسوسة شيطانية ، إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء ، وإن كان له نوع قوةٍ فالورع مراعاته .
ومن أمثلته ( 33 ) ( قوله صلى الله عليه وسلم لمن تزوج امرأة فقالت له امرأة إني قد أرضعتكما"وكيف وقد قيل ؟ دعها عنك ) " ( وقوله لزوجته سودة رضي الله تعالى عنها لما اختصم أخوها عبد الله وسعد بن أبي وقاص في ابن وليدة أبيها زمعة فألحقه صلى الله عليه وسلم بأبيها بحكم الفراش ولكنه رأى فيه شبها بينا بعتبة أخي سعد"احتجبي منه يا سودة ) ".
وصف حال بعض أهل الوسوسة
وصف حال بعض أهل الوسوسة
11-قال أبو محمد الجويني الشافعي من الذين يعتريهم الوسواس من يركب رأسه ، ويجاوز حدود الأصول ، وقد رأيت منهم من يكرر تحريمته للمكتوبة حتى يشرف وقتها على الانقضاء ، أو تفوته الجمعة مع الإمام ، أو ركعة منها . وإذا تعاطى الماء للطهارة أسرف منه قلةً أو قِلالًا .
وقال ابن الجوزي وبعض الموسوسين يغسل الثوب الطاهر مرارًا ، وربما لمسه مسلم فيغسله . ومنهم من يغسل ثيابه في دجلة ، لا يرى غسلها في البيت يجزئ .
قال وما كانت الصحابة تعمل هذا ، بل قد صلوا في ثياب فارس لما فتحوها ، واستعملوا أكسيتهم ، والشريعة سمحة سليمة من هذه الآفات .
الشبهة التي تؤدي إلى الوسوسة وكشفها
الشبهة التي تؤدي إلى الوسوسة وكشفها
12-تنشأ الشبهة المؤدية إلى الوسوسة من التصور الخاطئ لمعنى الاحتياط واتقاء الشبهات المفهوم من ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم" ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) ". وقوله 43 153" ( من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ) ".
وقد جرت كثير من مسائل الفقه على قاعدة الاحتياط ، فظن الموسوسون أن ما هم فيه من أمر الوسوسة داخل في قاعدة الاحتياط ، ورأوا أن ذلك خير من التفريط ، كمن لا يبالي كيف يتوضأ ، ولا بأي ماء توضأ ، ولا بأي مكان صلى ، ولا يبالي ما أصاب ثوبه ، فيحمل الأمور كلها على الطهارة ، ورأوا أن الاستقصاء والتشديد والاجتهاد في الاحتياط خير من ذلك .