فَهُوَ كَالدَّيْنِ الْمُتَعَلِّقِ بِحَقٍّ فَيَجِبُ إخْرَاجُهُ قَبْلَ الْكَفَنِ وَالتَّجْهِيزِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إنَّهُ بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ تُقْضَى الدُّيُونُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِذِمَّةِ الْمَيِّتِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَمْ لِآدَمِيٍّ أَوْصَى بِهَا أَمْ لَا , لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ , وَيُقَدَّمُ دَيْنُ اللَّهِ - تَعَالَى - كَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ . وَذَلِكَ فِيمَا إذَا تَلِفَ الْمَالُ . فَلَوْ كَانَ بَاقِيًا فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الزَّكَاةِ فَتَخْرُجُ قَبْلَ التَّجْهِيزِ كَمَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ , وَإِنْ كَانَتْ الدُّيُونُ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنٍ قُدِّمَتْ عَلَى التَّجْهِيزِ كَمَا سَبَقَ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إنَّهُ بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ يُوفَى حَقُّ مُرْتَهِنٍ لَدَيْهِ , ثُمَّ إنْ فَضَلَ لِلْمُرْتَهِنِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ شَارَكَ الْغُرَمَاءَ , لِأَنَّهُ سَاوَاهُمْ فِي ذَلِكَ , فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ رُدَّ عَلَى الْمَالِ لِيُقْسَمَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ , ثُمَّ بَعْدَمَا سَبَقَ تُسَدَّدُ الدُّيُونُ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَعْيَانِ وَهِيَ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ . وَيَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِالتَّرِكَةِ كُلِّهَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهَا الدَّيْنُ سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ لِلَّهِ - تَعَالَى - كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحَجِّ الْوَاجِبِ , أَمْ كَانَ لِآدَمِيٍّ كَالْقَرْضِ وَالثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ , فَإِنْ زَادَتْ الدُّيُونُ عَنْ التَّرِكَةِ وَلَمْ تَفِ بِدَيْنِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَدَيْنِ الْآدَمِيِّ يَتَحَاصُّونَ عَلَى نِسْبَةِ دُيُونِهِمْ كَمَالِ الْمُفْلِسِ , سَوَاءٌ أَكَانَتْ الدُّيُونُ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَمْ لِلْآدَمِيِّينَ أَمْ مُخْتَلِفَةً , ثُمَّ بَعْدَ الدَّيْنِ الْوَصِيَّةُ لِلْأَجْنَبِيِّ - وَهُوَ مَنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ - مِنْ ثُلُثِ مَا يَفِي مِنْ الْمَالِ بَعْدَ الْحُقُوقِ الثَّلَاثَةِ , فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ , وَإِنْ كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ فَمَا يَزِيدُ عَنْ الثُّلُثِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ كُلِّ الْوَرَثَةِ . 8 - وَالْفُقَهَاءُ مُجْمِعُونَ - كَمَا سَبَقَ - عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ , لِمَا قَالَهُ عَلِيٌّ: { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ } , وَلِأَنَّ الدَّيْنَ تَسْتَغْرِقُهُ حَاجَتُهُ فَقُدِّمَ كَمَئُونَةِ تَجْهِيزِهِ ثُمَّ تَنْفُذُ وَصَايَاهُ . 9 - وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الذِّكْرِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْآيَةِ { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْمِيرَاثَ , لِكَوْنِهَا مَأْخُوذَةً بِلَا عِوَضٍ , فَيَشُقُّ إخْرَاجُهَا عَلَى الْوَرَثَةِ , فَكَانَتْ لِذَلِكَ مَظِنَّةً فِي التَّفْرِيطِ فِيهَا بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ مُطْمَئِنَّةٌ إلَى أَدَائِهِ , فَقُدِّمَ ذِكْرُهَا حَثًّا عَلَى أَدَائِهَا , وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا مِثْلُهُ فِي وُجُوبِ الْأَدَاءِ , أَوْ الْمُسَارَعَةِ إلَيْهِ , وَلِذَلِكَ جِيءَ بَيْنَهُمَا بِكَلِمَةِ التَّسْوِيَةِ , وَأَيْضًا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالتَّبَرُّعَاتِ وَلَيْسَ فِي التَّرِكَةِ وَفَاءٌ بِالْكُلِّ فَتَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا ظَاهِرٌ , لِأَنَّ أَدَاءَ الدَّيْنِ فَرْضٌ عَلَيْهِ يُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ , وَالْوَصِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ تَطَوُّعُ , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَرْضَ أَقْوَى . 10 - ثُمَّ بَعْدَ التَّكْفِينِ وَالدَّيْنِ تَنْفُذُ الْوَصَايَا مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ , وَذَلِكَ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ - عَدَا خُوَاهَرْ زَادَهْ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ - لَا مِنْ أَصْلِ الْمَالِ , لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّكْفِينِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ قَدْ صَارَ مَصْرُوفًا فِي ضَرُورَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا , فَالْبَاقِي هُوَ مَالُهُ الَّذِي كَانَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي ثُلُثِهِ , وَأَيْضًا رُبَّمَا اسْتَغْرَقَ ثُلُثُ الْأَصْلِ جَمِيعَ الْبَاقِي , فَيُؤَدِّي إلَى حِرْمَانِ الْوَرَثَةِ بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ , وَهَذَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً أَمْ مُعَيَّنَةً , وَهُوَ الصَّحِيحُ . 11 - وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُعَيَّنَةً كَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى الْإِرْثِ . وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً كَأَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ رُبُعِهِ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمِيرَاثِ لِشُيُوعِهَا فِي التَّرِكَةِ , فَيَكُونُ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ لَا مُقَدَّمًا عَلَيْهِمْ , وَيَدُلُّ عَلَى شُيُوعِهِ فِيهَا كَحَقِّ الْوَارِثِ أَنَّهُ إذَا زَادَ الْمَالُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ زَادَ عَلَى الْحَقَّيْنِ , وَإِذَا نَقَصَ نَقَصَ عَنْهُمَا , حَتَّى إذَا كَانَ مَالُهُ حَالَ الْوَصِيَّةِ أَلْفًا مَثَلًا فَصَارَ أَلْفَيْنِ , فَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفَيْنِ . وَإِنْ انْعَكَسَ فَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ . ثُمَّ بَعْدَ التَّكْفِينِ