فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 2053

الْقَتْلُ: 17 - اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ يَمْنَعُ الْقَاتِلَ الْبَالِغَ الْعَاقِلَ مِنْ الْمِيرَاثِ إذَا كَانَ الْقَتْلُ مُبَاشِرًا . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْقَتْلِ الَّذِي يُوجِبُ الْقِصَاصَ , كَمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ غَيْرَ مُبَاشِرٍ لِلْقَتْلِ أَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً . فَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْقَتْلَ الْعُدْوَانَ الْعَمْدَ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْجَانِي مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ . وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْقَتْلَ الْعَمْدَ الَّذِي يُوجِبُ الْقِصَاصَ: مَا يَكُونُ بِضَرْبَةِ سِلَاحٍ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْخَشَبِ أَوْ الْحَجَرِ , وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إنَّ الْقَتْلَ شِبْهَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ يَمْنَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ , وَالْقَتْلُ شِبْهُ الْعَمْدِ: كَأَنْ يَتَعَمَّدَ الْقَاتِلُ ضَرْبَ الْمَقْتُولِ بِمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ غَالِبًا , وَمُوجِبُهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْحَنَفِيَّةِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ , وَالْإِثْمُ وَالْكَفَّارَةُ . وَالْخَطَأُ كَأَنْ رَمَى إلَى الصَّيْدِ فَأَصَابَ إنْسَانًا , أَوْ انْقَلَبَ عَلَيْهِ فِي النَّوْمِ فَقَتَلَهُ , أَوْ وَطِئَتْهُ دَابَّةٌ , وَهُوَ رَاكِبُهَا أَوْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ عَلَيْهِ , أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ مِنْ يَدِهِ فَمَاتَ . وَمُوجِبُهُ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا إثْمَ فِيهِ . وَفِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا يُحْرَمُ الْقَاتِلُ مِنْ الْمِيرَاثِ عِنْدَهُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ بِحَقٍّ . وَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ بِالسَّبَبِ دُونَ الْمُبَاشَرَةِ كَحَافِرِ الْبِئْرِ أَوْ وَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ , أَوْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَلَا حِرْمَانَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْقَتْلِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْأَرْجَحِ إلَى أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا مُبَاشِرًا أَوْ مُتَسَبِّبًا يُمْنَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ مِنْ الْمَالِ وَالدِّيَةِ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا , وَإِنْ أَتَى بِشُبْهَةٍ تَدْفَعُ الْقِصَاصَ كَرَمْيِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ بِحَجَرٍ فَمَاتَ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رَأْيٌ آخَرُ هُوَ أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَالْخَطَأِ , فَيَرِثُ مِنْ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ , وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ . وَأَمَّا إذَا قَتَلَ مُورَثُهُ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا أَوْ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُحْرَمُ مِنْ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْقَتْلِ يُمْنَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ , وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ بِحَقٍّ كَمُقْتَصٍّ , وَإِمَامٍ , وَقَاضٍ , وَجَلَّادٍ بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي وَشَاهِدٍ وَمُزَكٍّ . وَيُحْرَمُ الْقَاتِلُ وَلَوْ قَتَلَ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَنَائِمٍ وَمَجْنُونٍ وَطِفْلٍ وَلَوْ قَصَدَ بِهِ مَصْلَحَةً كَضَرْبِ الْأَبِ ابْنَهُ لِلتَّأْدِيبِ , وَفَتْحِهِ الْجَرْحَ لِلْمُعَالَجَةِ , وَقَالُوا: لَوْ قَالَ الْمَقْتُولُ: وَرِّثُوهُ فَهُوَ وَصِيَّةٌ . وَلَوْ سَقَطَ مُتَوَارِثَانِ مِنْ عُلُوٍّ إلَى سُفْلٍ وَأَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ فَمَاتَ الْأَسْفَلُ لَمْ يَرِثْهُ الْأَعْلَى , لِأَنَّهُ قَاتِلٌ . وَإِنْ مَاتَ الْأَعْلَى وَرِثَهُ الْأَسْفَلُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاتِلٍ لَهُ . اسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْحِرْمَانِ بِالْقَتْلِ بِالتَّسَبُّبِ , وَمِنْ عَدَمِ حِرْمَانِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِأَنَّ الْقَاتِلَ بِالتَّسَبُّبِ لَيْسَ بِقَاتِلٍ حَقِيقَةً , لِأَنَّهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ وَوَقَعَ فِيهَا مُورَثُهُ فَمَاتَ فَلَا يُؤَاخَذُ عَلَى ذَلِكَ بِشَيْءٍ . وَالْقَاتِلُ يُؤَاخَذُ بِفِعْلِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مِلْكِهِ أَمْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ كَالرَّامِي . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَتْلَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَقْتُولٍ وَقَدْ انْعَدَمَ حَالَ التَّسَبُّبِ . فَإِنَّ حَفْرَهُ مَثَلًا قَدْ اتَّصَلَ بِالْأَرْضِ دُونَ الْحَيِّ , وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَاتِلًا حَالَ الْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ ; إذْ رُبَّمَا كَانَ الْحَافِرُ حِينَئِذٍ مَيِّتًا . وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَاتِلًا حَقِيقَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ جَزَاءُ الْقَتْلِ , وَهُوَ الْحِرْمَانُ مِنْ الْمِيرَاثِ وَالْكَفَّارَةِ . وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يُحْرَمَانِ مِنْ الْمِيرَاثِ بِالْقَتْلِ , لِأَنَّ الْحِرْمَانَ جَزَاءٌ لِلْقَتْلِ الْمَحْظُورِ , وَفِعْلُهُمَا مِمَّا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُوصَفَ بِالْحَظْرِ شَرْعًا , إذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَجُّهُ خِطَابِ الشَّارِعِ إلَيْهِمَا . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحِرْمَانَ بِاعْتِبَارِ التَّقْصِيرِ فِي التَّحَرُّزِ , وَلَا يُتَصَوَّرُ نِسْبَةُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت