فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 2053

7 -العبادات إمّا فرض أو مندوب ، فإن كانت فرضًا كالصّلاة والصّيام والزّكاة والحجّ والجهاد والنّذور والكفّارات فإنّه يجب على المكلّف الأهل أداؤها على الوجه المشروع ، إذا تحقّق سببها ، وتوفّرت شروطها . فإن كانت العبادة محدّدةً بوقت له طرفان ، سواء أكان الوقت موسّعًا ، كوقت الصّلاة ، أم كان مضيّقًا كرمضان فإنّه يجب أداؤها في الوقت المحدّد ، ولا يجوز أن تتقدّم عليه ولا أن تتأخّر عنه إلاّ لعذر ؛ لأنّها تفوت بفوات الوقت المحدّد دون أداءً ، وتتعلّق بالذّمّة إلى أن تقتضي . ولا خلاف بين الفقهاء في تحديد الوقت الّذي يجب فيه الأداء فيما كان وقته مضيّقًا ؛ لأنّ الوقت كلّه مشغول بالعبادة ، وليس فيه زمن فارغ منها ، إلاّ أنّهم يختلفون في تعيين النّيّة لصحّة الأداء فعند الحنفيّة يكفي مطلق النّيّة ؛ لأنّ الوقت لمّا كان معيارًا فلا يصلح لعمل آخر من جنسه ، وعند الجمهور لا بدّ من التّعيين ، فإن لم يعيّن لم يجزه . أمّا ما كان وقته موسّعًا فقد اختلف الفقهاء في تحديد الجزء الّذي يتعلّق به وجوب الأداء ، فعند الجمهور هو الكلّ لا جزء منه ؛ لأنّ الأمر يقتضي إيقاع الفعل في أيّ جزء من أجزاء الوقت ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « الوقت ما بين هذين » ، وهو يتناول جميع أجزائه ، وليس تعيين بعض الأجزاء لوجوب الأداء بأولى من تعيين البعض الآخر ، إلاّ أنّ الأداء يجب في أوّل الوقت مع الإمكان ، وقيل يستحبّ ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أوّل الوقت رضوان اللّه ، وآخره عفو اللّه » . ويجوز التّأخير إلى آخر الوقت المختار ؛ لأنّ عدم جواز التّأخير فيه ضيق على النّاس ، فسمح لهم بالتّأخير ، وعند الحنابلة وبعض الشّافعيّة يجوز التّأخير لكن مع العزم على الفعل ، فإن لم يعزم أثم . وإن ظنّ المكلّف أنّه لا يعيش إلى آخر الوقت ، الموسّع تضيّق عليه الوقت وحرم عليه التّأخير اعتبارًا بظنّه ، فإن أخّره ومات عصى اتّفاقًا ، فإن لم يمت بل عاش وفعل في آخر الوقت فهو قضاء عند القاضي أبي بكر الباقلاّنيّ أداء عند الجمهور ، لصدق تعريف الأداء عليه ، ولا عبرة بالظّنّ البيّن خطؤه . وعند المحقّقين من الحنفيّة وقت الأداء هو الجزء الّذي يقع فيه الفعل ، وأنّ الصّلاة لا تجب في أوّل الوقت على التّعيين ، وإنّما تجب في جزء من الوقت غير معيّن ، وإنّما التّعيين إلى المصلّي من حيث الفعل حتّى إنّه إذا شرع في أوّل الوقت يجب في ذلك الوقت ، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره ، ومتى لم يعيّن حتّى بقي من الوقت مقدار ما يصلّي فيه أربعًا - وهو مقيم - يجب عليه تعيين ذلك الوقت للأداء فعلًا ويأثم بترك التّعيين . وقال بعض الحنفيّة العراقيّين: إنّ وجوب الأداء يتعلّق بآخر الوقت ، فعلى هذا ، فإن قدّمه ثمّ زالت أهليّته قبل آخر الوقت فالمؤدّى نفل . وقال بعض أصحاب الشّافعيّ: إنّ الوجوب يتعلّق بأوّل الوقت فإن أخّره فهو قضاء . وكلا الفريقين ممّن ينكرون التّوسّع في الوجوب .

بم يتحقّق الأداء إذا تضيّق الوقت ؟

8 -اختلف الفقهاء فيما يمكن به إدراك الفرض إذا تضيّق الوقت ، فعند الجمهور يمكن إدراكه بركعة بسجدتيها في الوقت ، فمن صلّى ركعةً في الوقت ثمّ خرج الوقت يكون مؤدّيًا للجميع ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . قال: « من أدرك ركعةً من الصّبح قبل أن تطلع الشّمس فقد أدرك الصّبح ، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشّمس فقد أدرك العصر » ، وذهب أشهب إلى أنّها تدرك بالرّكوع وحده وعند الحنفيّة وبعض الحنابلة يمكن إدراك الصّلاة بتكبيرة الإحرام ، لما روى أبو هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إذا أدرك أحدكم أوّل سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشّمس فليتمّ صلاته ، وإذا أدرك أوّل سجدة من صلاة الصّبح قبل أن تطلع الشّمس فليتمّ صلاته » وفي رواية «: فقد أدرك » ؛ ولأنّ الإدراك إذا تعلّق به حكم في الصّلاة استوى فيه الرّكعة وما دونها . وقال بعض الحنفيّة والشّافعيّة: إنّه يكون مؤدّيًا لما صلّى في الوقت قاضيًا لما صلّى بعد خروج الوقت ، اعتبارًا لكلّ جزء بزمانه ، واستثنى الحنفيّة من ذلك صلاة الصّبح وحدها ، فإنّها لا تدرك إلاّ بأدائها كلّها قبل طلوع الشّمس ، وعلّلوا ذلك بطروء الوقت النّاقص على الوقت الكامل ، ولذا عدّوا ذلك من مبطلات الصّلاة وأمّا ما كان وقته مطلقًا كالزّكاة والكفّارات والنّذور المطلقة فقد اختلف الفقهاء في وقت وجوب الأداء بناءً على اختلافهم في الأمر به ، هل هو على الفور أو على التّراخي ؟ والكلام فيه على مثال ما قيل فيما كان وقته موسّعًا في أنّه يجب تعجيل الأداء في أوّل أوقات الإمكان ، ويأثم بالتّأخير بدون عزم على الفعل ، أو أنّه على التّراخي ولا يجب التّعجيل ولا يأثم بالتّأخير عن أوّل أوقات الإمكان ، لكن الجميع متّفقون على أنّ وجوب الأداء يتضيّق في آخر عمره في زمان يتمكّن فيه من الأداء قبل موته بغالب ظنّه ، وأنّه إن لم يؤدّ حتّى مات أثم بتركه . هذا بالنّسبة للعبادات الواجبة سواء أكانت موقّتةً أم مطلقةً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت