فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 2053

9 -أمّا المندوب من العبادات فمن المقرّر أنّ المندوب حكمه الثّواب على الفعل وعدم اللّوم على التّرك ، لكن فعله أولى من تركه . ومن المندوب ما هو موقّت كالرّكعتين قبل الظّهر والرّكعتين بعده ، وما بعد المغرب والعشاء ، وركعتي الفجر ، ومنه ما هو مسبّب كصلاة الخسوف والكسوف ، ومنه ما هو مطلق كالتّهجّد . ومثل ذلك في الصّوم أيضًا ، فمنه ما هو موقّت ، كصيام يوم عرفة لغير الحاجّ ، وصيام يوم عاشوراء ، ومنه ما يتطوّع به الإنسان في أيّ يوم . وقد وردت آثار كثيرة في فضل ما زاد على الفرض من العبادات من صلاة وصوم وحجّ وزكاة ، ومن ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أفضل الصّلاة بعد الفريضة صلاة اللّيل » . وقوله: « صوم يوم عاشوراء كفّارة سنة » . وكذلك روي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول اللّه أنّه قال: « من ثابر على اثنتي عشرة ركعةً في اليوم واللّيلة بنى اللّه له بيتًا في الجنّة » . وهذه العبادات المندوبة يطلب أداؤها طلبًا للثّواب ولا يجب الأداء إلاّ ما شرع فيه ، فيجب إتمامه ، وإذا فسد قضاه ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة . أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فيستحبّ الإتمام إلاّ في تطوّع الحجّ والعمرة ، فإنّه إذا شرع فيهما فيجب إتمامهما باتّفاق الجميع .

أداء أصحاب الأعذار:

10 -يشترط لأداء العبادة أهليّة الأداء مع الإمكان والقدرة . وقد اختلف الفقهاء في وجوب الأداء بالنّسبة لمن كان أهلًا للأداء في أوّل الوقت ، ثمّ طرأ عليه عذر في آخره ، كمن كان أهلًا للصّلاة في أوّل الوقت ، فلم يصلّ حتّى طرأ عليه آخر الوقت عذر يمنع من الأداء ، كما إذا حاضت الطّاهرة في آخر الوقت أو نفست أو جنّ العاقل أو أغمي عليه ، أو ارتدّ المسلم والعياذ باللّه وقد بقي من الوقت ما يسع الفرض . فعند الجمهور يلزمهم الفرض ؛ لأنّ الوجوب والأهليّة ثابتة في أوّل الوقت فيلزمهم القضاء . أمّا عند الحنفيّة فلا يلزمهم الفرض ؛ لأنّ الوجوب يتعيّن في آخر الوقت إذا لم يوجد الأداء قبله ، فيستدعي الأهليّة فيه ؛ لاستحالة الإيجاب على غير الأهل ، ولم يوجد ، فلم يكن عليه قضاء . وهو أيضًا رأي الإمام مالك وابن الحاجب وابن عرفة ، خلافًا لبعض أهل المدينة وابن عبد البرّ حيث القضاء عندهم أحوط . أمّا من لم يكن أهلًا في أوّل الوقت ، ثمّ زال العذر في آخر الوقت ، كما إذا طهرت الحائض في آخر الوقت وأسلم الكافر وبلغ الصّبيّ وأفاق المجنون والمغمى عليه وأقام المسافر أو سافر المقيم فللحنفيّة قولان: أحدهما وهو قول زفر أنّه لا يجب الفرض ولا يتغيّر الأداء إلاّ إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكن فيه أداء الفرض . والقول الثّاني للكرخيّ وأكثر المحقّقين: أنّه يجب الفرض ويتغيّر الأداء إذا بقي من الوقت مقدار ما يسع التّحريمة فقط ، وهو قول الحنابلة وبعض الشّافعيّة . وعند المالكيّة يجب الفرض إذا بقي من الوقت مقدار ركعة مع زمن يسع الطّهر ، وهو قول لبعض الشّافعيّة ، وفي قول آخر للشّافعيّة إذا بقي مقدار ركعة فقط . هذا مثال لاعتبار أهليّة الأداء في بعض العبادات البدنيّة . ولمعرفة التّفاصيل ( ر: أهليّة . حجّ . صلاة . صوم ) .

11 -أمّا بالنّسبة للقدرة على الأداء فإنّ المطلوب أداء العبادة على الصّفة الّتي ورد بها الشّرع ، ففي الصّلاة مثلًا يجب أن يكون أداؤها على الصّفة الّتي وردت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وذلك لما جاء في قوله: « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » ، فمن عجز عن أداء الصّلاة على الصّفة المشروعة جاز له أن يصلّي بالصّفة الّتي يستطيع بها أداء الصّلاة ، فمن عجز عن القيام صلّى جالسًا ، ومن لم يستطع فعلى جنب . وهذا باتّفاق « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: صلّ قائمًا ، فإن لم تستطع فقاعدًا ، فإن لم تستطع فعلى جنب » ، وهكذا ، وكذلك العاجز عن الصّوم لشيخوخة أو مرض لا يرجى برؤه لا يجب عليه الصّوم ؛ لقول اللّه تعالى: { وما جعل عليكم في الدّين من حرج } مع الاختلاف في وجوب الفدية وعدمها ، فقيل: تجب عن كلّ يوم مدّ من طعام ، وقيل: لا تجب . والحجّ أيضًا لا يجب أداؤه إلاّ على المستطيع بالمال والبدن والمحرم أو الرّفقة المأمونة بالنّسبة للمرأة . فمن عجز عن ذلك فلا يجب عليه الحجّ ؛ لقول اللّه تعالى: { وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلًا } .

12 -وأمّا بالنّسبة للعبادات الماليّة كالزّكاة فنظرًا للأهليّة اختلف الفقهاء في وجوب الزّكاة على الصّبيّ والمجنون ، فعند الجمهور تجب الزّكاة في مال الصّبيّ والمجنون ، لأنّه حقّ يتعلّق بالمال ، ويؤدّي عنهما وليّهما ، وتعتبر نيّة الوليّ في الإخراج . وعند الحنفيّة لا يجب عليهما الزّكاة ؛ لأنّ الزّكاة عبادة ، وهما ليسا من أهلها . وكذلك من عجز عن أداء ما وجب عليه من الكفّارة وقت الوجوب ، ثمّ تغيّر حاله ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك . فعند الحنفيّة والمالكيّة: العبرة بوقت الأداء لا بوقت الوجوب ، وهو أحد الأقوال عند الشّافعيّة ، فلو كان موسرًا وقت الوجوب جاز له الصّوم . وعند الحنابلة وفي قول عند الشّافعيّ أنّ العبرة بوقت الوجوب لا بوقت الأداء . وفي قول آخر للشّافعيّة والحنابلة أنّه يعتبر أغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التّكفير .

تعجيل الأداء عن وقت الوجوب أو سببه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت