فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 2053

اخْتِلَافُ الدِّينِ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ: 20 - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ , لِأَنَّهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ , فَيَرِثُ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ وَالْعَكْسُ , وَيَرِثُ الْمَجُوسِيُّ وَعَابِدُ الْوَثَنِ النَّصْرَانِيَّ وَالْيَهُودِيَّ وَيَرِثُهُمَا الْمَجُوسِيُّ وَغَيْرُهُ . وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ مِلَلٌ , فَلَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ الْمِلَلِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَلَا يَرِثُ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ وَلَا الْعَكْسُ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ مُرَجَّحٍ وَنُسِبَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْكُفْرَ ثَلَاثُ مِلَلٍ: النَّصَارَى مِلَّةٌ , وَالْيَهُودُ مِلَّةٌ , وَمَنْ عَدَاهُمَا مِلَّةٌ , وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي شُرَيْحٍ وَعَطَاءٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالضَّحَّاكِ وَالْحَكَمِ وَشَرِيكِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَوَكِيعٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رَأْيٌ آخَرُ مُرَجَّحٌ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ , وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِلَّةٌ , وَأَنَّ مَا سِوَاهُمَا مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ . وَذُكِرَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ , وَلَا يَرِثُهُمْ الْمَجُوسُ وَلَا يَرِثُ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى الْمَجُوسَ . وَاسْتَدَلَّ الْمَانِعُونَ مِنْ الْمِيرَاثِ فِيمَا بَيْنَ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: { لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى } وَهُمْ أَهْلُ مِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ بِدَلِيلِ قوله تعالى: { وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى } فَقَدْ عَطَفَ النَّصَارَى عَلَى الَّذِينَ هَادُوا , وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ , وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } وَالْيَهُودُ لَا تَرْضَى إلَّا بِاتِّبَاعِ الْيَهُودِيَّةِ مَعَهُمْ وَالنَّصَارَى كَذَلِكَ , وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مِلَّةً عَلَى حِدَةٍ , وَلِأَنَّ النَّصَارَى يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ عِيسَى عليه السلام وَالْإِنْجِيلِ , وَالْيَهُودُ يَجْحَدُونَ ذَلِكَ . وَاسْتَدَلَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّفَقُوا عَلَى دَعْوَى التَّوْحِيدِ , وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ نِحَلُهُمْ فِي ذَلِكَ , وَاتَّفَقُوا عَلَى الْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُوسَى عليه السلام وَالتَّوْرَاةِ , بِخِلَافِ الْمَجُوسِ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ التَّوْحِيدَ وَلَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَلَا بِكِتَابٍ مُنَزَّلٍ , وَلَا يُوَافِقُهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى ذَلِكَ فَكَانُوا أَهْلَ مِلَّتَيْنِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حِلُّ الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ , إذْ تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْمَجُوسِ . وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ الدِّينَ دِينَيْنِ , الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِينٌ } وَجَعَلَ النَّاسَ فَرِيقَيْنِ فَقَالَ: { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } . وَفَرِيقُ الْجَنَّةِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ , وَفَرِيقُ السَّعِيرِ هُمْ الْكُفَّارُ جَمِيعُهُمْ , وَجَعَلَ الْخَصْمَ خَصْمَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } وَالْمُرَادُ الْكُفَّارُ جَمِيعًا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ , وَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ وَلَكِنَّهُمْ عِنْدَ مُقَابَلَتِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ أَهْلُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ , لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُقِرُّونَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَبِالْقُرْآنِ وَجَمِيعُهُمْ يُنْكِرُ ذَلِكَ , وَبِإِنْكَارِهِمْ كَفَرُوا , فَكَانُوا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ مِلَّةً وَاحِدَةً فِي الشِّرْكِ . وَيُشِيرُ إلَى هَذَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: { لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ } فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم فَسَّرَ الْمِلَّتَيْنِ قَوْلُهُ: { لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ } , إذْ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى الْوَصْفِ الْعَامِّ وَهُوَ الْكُفْرُ بَيَانُ أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ التَّوْرِيثِ أَهْلُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت