بَيْتُ الْمَالِ: 53 - بَيْتُ الْمَالِ هُوَ الْجِهَةُ الَّتِي يَؤُولُ إلَيْهَا كُلُّ مَالٍ اسْتَحَقَّهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُهُ مِنْهُمْ , كَالْفَيْءِ وَيُطْلِقُ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ جِهَةَ الْإِسْلَامِ أَيْضًا وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ شَاذٌّ - أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لَيْسَ وَارِثًا , وَإِنَّمَا تَئُولُ إلَيْهِ التَّرِكَةُ أَوْ مَا يَبْقَى مِنْهَا بِاعْتِبَارِهِ مَالًا لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ , فَيَأْخُذُهُ بَيْتُ الْمَالِ كَمَا يَأْخُذُ كُلَّ مَالٍ ضَائِعٍ لَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ كَاللُّقَطَةِ , وَيَصْرِفُهُ فِي الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ , وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمُزَنِيّ وَابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ . وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ مِنْ الْعَصَبَةِ وَرُتْبَتُهُ تَلِي رُتْبَةَ الْمُعْتِقِ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِبَيْتِ الْمَالِ: بَيْتُ مَالِ وَطَنِهِ , مَاتَ فِيهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْبِلَادِ , كَانَ مَالُهُ بِوَطَنِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ . فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطَنٌ فَقِيلَ: الْمُعْتَبَرُ الْوَطَنُ الَّذِي بِهِ الْمَالُ , وَقِيلَ الَّذِي مَاتَ بِهِ , وَهُمْ يَعُدُّونَ بَيْتَ الْمَالِ عَاصِبًا فَهُوَ كَوَارِثٍ ثَابِتِ النَّسَبِ , وَذَلِكَ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ , سَوَاءٌ أَكَانَ مُنْتَظِمًا أَمْ غَيْرَ مُنْتَظِمٍ . وَقِيلَ: إنَّهُ حَائِزٌ لِلْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ لَا وَارِثٌ , وَهُوَ شَاذٌّ , وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِ مَالِهِ , إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ النَّسَبِ , كَمَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ بِوَارِثٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ , بِخِلَافِ الْقَوْلِ بِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ وَارِثٌ فَلَا يَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِكُلِّ الْمَالِ وَلَا الْإِقْرَارُ بِوَارِثٍ . وَالشَّافِعِيَّةُ كَالْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ يَلِي الْعَصَبَةَ النَّسَبِيَّةَ وَالسَّبَبِيَّةَ , وَأَنَّهُ يَرِثُ كُلَّ الْمَالِ أَوْ الْبَاقِيَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَظِمًا , بِأَنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ جَائِرًا أَوْ غَيْرَ أَهْلٍ لِلْقِيَامِ عَلَيْهِ , لِأَنَّ الْإِرْثَ لِجِهَةِ الْإِسْلَامِ , وَلَا ظُلْمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُمْ بِجَوْرِ الْإِمَامِ , وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُمْ . وَأَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ: بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَظِمْ أَمْرُ بَيْتِ الْمَالِ , بِأَنْ فَقَدَ الْإِمَامَ أَوْ بَعْضَ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ , كَأَنْ جَارَ , فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ , لِانْحِصَارِ مَصْرِفِ التَّرِكَةِ فِيهِمْ وَفِي بَيْتِ الْمَالِ , فَإِذَا تَعَذَّرَ بَيْتُ الْمَالِ تَعَيَّنُوا .