لَا يُمْكِنُهُ اتِّبَاعُهُ , وَالْمُتَسَبِّبُ لَا يَضْمَنُ إلَّا إذَا تَعَدَّى , بَيْنَمَا إذَا أَرْسَلَ الدَّابَّةَ فَأَتْلَفَتْ أَمْوَالَ الْغَيْرِ عَلَى الْفَوْرِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِإِرْسَالِهَا فِي الطَّرِيقِ مَعَ إمْكَانِ اتِّبَاعِهَا , إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا يُوسُفَ لَمْ يُفَرِّقْ فِي لُزُومِ الضَّمَانِ بَيْنَ مَا يُتْلِفُهُ الْكَلْبُ بِإِرْسَالِهِ وَمَا تُتْلِفُهُ الدَّابَّةُ بِإِرْسَالِهَا . هَذَا , وَقَدْ جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَرْسَلَ طَيْرًا سَاقَهُ ( أَيْ سَارَ خَلْفَهُ ) أَوْ لَا , أَوْ أَرْسَلَ دَابَّةً أَوْ كَلْبًا وَلَمْ يَكُنْ سَائِقًا لَهُ , أَوْ انْفَلَتَتْ دَابَّةٌ بِنَفْسِهَا فَأَصَابَتْ مَالًا أَوْ آدَمِيًّا نَهَارًا أَوْ لَيْلًا فَلَا ضَمَانَ فِي الْكُلِّ , لِقَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم { الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ } أَيْ الْمُنْفَلِتَةُ هَدْرٌ . أَمَّا إذَا كَانَ الْمُرْسَلُ مَاءً , فَالْحُكْمُ يَخْتَلِفُ تَبَعًا لِحَالَةِ الْمَاءِ الْمُرْسَلِ وَطَبِيعَةِ الْأَرْضِ , فَلَوْ أَرْسَلَ مَاءً فِي أَرْضِهِ فَخَرَجَ الْمَاءُ إلَى أَرْضِ غَيْرِهِ , فَإِنْ كَانَ مَا أَرْسَلَهُ تَحْتَمِلُهُ أَرْضُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . وَإِنْ أَرْسَلَ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ الْأَرْضُ كَانَ ضَامِنًا , فَإِنْ سَقَى أَرْضَهُ ثُمَّ أَرْسَلَ الْمَاءَ فِي النَّهْرِ حَتَّى جَاوَزَ عَنْ أَرْضِهِ وَقَدْ كَانَ رَجُلٌ أَسْفَلَ مِنْهُ طَرَحَ فِي النَّهْرِ تُرَابًا , فَمَالَ الْمَاءُ عَنْ النَّهْرِ حَتَّى غَرَق قَصْرُ إنْسَانٍ , فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْسِلِ ; لِأَنَّهُ أَرْسَلَ الْمَاءَ فِي النَّهْرِ , وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ , وَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ طَرَحَ التُّرَابَ فِي النَّهْرِ وَمَنَعَ الْمَاءَ عَنْ السَّيَلَانِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ . وَلَوْ فَتَحَ فُوَّهَةَ النَّهْرِ وَأَرْسَلَ مَاءً قَدْرَ مَا يَحْتَمِلُهُ النَّهْرُ , فَدَخَلَ الْمَاءُ مِنْ فَوْرِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي أَرْضِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . هَذَا , وَمِمَّا يَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ هُوَ أَنْ نَذْكُرَ الدَّلِيلَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْحَنَابِلَةُ فِي مُوَافَقَتِهِمْ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الضَّمَانَ فِي الْمُتْلَفِ لَيْلًا لَا نَهَارًا , وَالدَّلِيلُ هُوَ رِوَايَةُ الْإِمَامِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حِزَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةُ { أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ - أَيْ مَا فِيهِ مِنْ أَمْوَالٍ - فَقَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ , وَمَا أَفْسَدَتْ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ } . وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاشِي إرْسَالُهَا نَهَارًا لِلرَّعْيِ وَحِفْظُهَا لَيْلًا , وَعَادَةُ أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظُهَا نَهَارًا , فَإِذَا أَفْسَدَتْ شَيْئًا لَيْلًا كَانَ مِنْ ضَمَانِ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ إنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا , مِثْلَ مَا إذَا لَمْ يَضُمَّهَا وَنَحْوَهُ لَيْلًا , أَوْ ضَمَّهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُهَا الْخُرُوجُ . أَمَّا إذَا ضَمَّهَا مَنْ هِيَ بِيَدِهِ لَيْلًا فَأَخْرَجَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ فَتْحَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا بَابَهَا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا , فَالضَّمَانُ عَلَى مُخْرِجِهَا أَوْ فَاتِحِ بَابِهَا ; لِأَنَّهُ السَّبَبُ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ . ثُمَّ أَضَافَ الْحَنَابِلَةُ إلَى مَا تَقَدَّمَ , بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا زَرْعٌ وَمَرَاعِي . أَمَّا الْقُرَى الْعَامِرَةُ الَّتِي لَا مَرْعَى فِيهَا إلَّا بَيْنَ مَرَاحَيْنِ كَسَاقِيَةٍ وَطُرُقِ زَرْعٍ فَلَيْسَ لَهُ إرْسَالُهَا بِغَيْرِ حَافِظٍ , فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ لِتَفْرِيطِهِ . وَقَدْ خَالَفَ الْحَنَابِلَةُ مَا قَالَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَادَةَ تُرَاعَى فِي أَحْكَامِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , إذْ قَالَ الْحَارِثِيُّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: لَوْ جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ أَهْلِ النَّوَاحِي رَبْطُهَا نَهَارًا وَإِرْسَالُهَا لَيْلًا وَحِفْظُ الزَّرْعِ لَيْلًا , فَالْحُكْمُ هُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى مَالِكِهَا فِيمَا أَفْسَدَتْهُ لَيْلًا إنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا , لَا نَهَارًا . ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الْحَنَابِلَةُ فِي ضَرْبِ الْأَمْثِلَةِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ أَرْسَلَ صَيْدًا وَقَالَ: أَعْتَقْتُك , لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ , كَمَا لَوْ أَرْسَلَ الْبَعِيرَ وَالْبَقَرَةَ , وَنَحْوَهُمَا مِنْ الْبَهَائِمِ الْمَمْلُوكَةِ , إذْ أَنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ عَنْهَا بِذَلِكَ .