الْإِرْسَالُ فِي الْقَبْضِ وَالْعَزْلِ: 14 - قَالَ السَّرَخْسِيُّ: ( إذَا اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولًا يَقْبِضُهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ , وَرُؤْيَةُ الرَّسُولِ وَقَبْضُهُ لَا يُلْزِمُهُ الْمَتَاعَ ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عِلْمُ الْعَاقِدِ بِأَوْصَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ , لِيَتِمَّ رِضَاهُ , وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِرُؤْيَةِ الرَّسُولِ , فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّ قَبْضَ رَسُولِهِ كَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ , وَلَوْ قَبَضَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ كَانَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ , فَكَذَلِكَ إذَا أَرْسَلَ رَسُولًا فَقَبَضَهُ لَهُ , فَأَمَّا إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا يَقْبِضُهُ فَرَآهُ الْوَكِيلُ وَقَبَضَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوَكِّلِ فِيهِ خِيَارٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رحمهما الله: لَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهُ ; لِأَنَّ الْقَبْضَ فِعْلٌ , وَالرَّسُولُ وَالْوَكِيلُ فِيهِ سَوَاءٌ , وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْمُورٌ بِإِحْرَازِ الْعَيْنِ وَالْحَمْلِ إلَيْهِ وَالنَّقْلِ إلَى ضَمَانِهِ بِفِعْلِهِ , ثُمَّ خِيَارُهُ لَا يَسْقُطُ بِرُؤْيَةِ الرَّسُولِ فَكَذَلِكَ بِرُؤْيَةِ الْوَكِيلِ , وَكَيْفَ يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِرُؤْيَتِهِ وَهُوَ لَوْ أَسْقَطَ الْخِيَارَ نَصًّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ بِهِ ؟ فَكَذَلِكَ إذَا قَبَضَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ , وَقَاسَا بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَالْعَيْبِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِقَبْضِ الْوَكِيلِ وَرِضَاهُ بِهِ . فَكَذَلِكَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ . وَأَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: التَّوْكِيلُ بِمُطْلَقِ الْقَبْضِ يُثْبِتُ لِلْوَكِيلِ وِلَايَةَ إتْمَامِ الْقَبْضِ , كَالتَّوْكِيلِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ يُثْبِتُ لِلْوَكِيلِ وِلَايَةَ إتْمَامِهِ , وَتَمَامُ الْقَبْضِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الصَّفْقَةِ , وَلَا تَتِمُّ مَعَ بَقَاءِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ , فَيَضْمَنُ التَّوْكِيلُ بِالْقَبْضِ إنَابَةَ الْوَكِيلِ مَنَابَ نَفْسِهِ فِي الرُّؤْيَةِ الْمُسْقِطَةِ لِخِيَارِهِ , وَبِخِلَافِ الرَّسُولِ فَإِنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ إلَيْهِ إلَّا تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ , فَأَمَّا إتْمَامُ مَا أُرْسِلَ بِهِ فَلَيْسَ إلَيْهِ , كَالرَّسُولِ بِالْعَقْدِ لَيْسَ إلَيْهِ مِنْ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ شَيْءٌ . وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالرِّسَالَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ صِفَةَ الرِّسَالَةِ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَفَى الْوَكَالَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } . وَهَذَا بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ فَإِنَّ بَقَاءَهُ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ وَالْقَبْضِ , وَلِهَذَا مَلَكَ بَعْدَ الْقَبْضِ رَدَّ الْمَعِيبِ خَاصَّةً . وَلَوْ أَرْسَلَ إلَى وَكِيلِهِ رَسُولًا بِعَزْلِهِ فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَقَالَ لَهُ: إنَّ فُلَانًا أَرْسَلَنِي إلَيْك وَيَقُولُ: إنِّي عَزَلْتُك عَنْ الْوَكَالَةِ , فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ كَائِنًا مَا كَانَ الرَّسُولُ , عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ , صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا , بَعْدَ أَنْ تَكُونَ عِبَارَتُهُ مُعْتَبَرَةً , إنْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ الرَّسُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسِلِ , مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ عَنْهُ , فَتَصِحُّ سِفَارَتُهُ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ .
الرُّجُوعُ عَنْ الْإِرْسَالِ: 15 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُرْسِلَ لَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ صَحَّ رُجُوعُهُ , لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالرِّسَالَةِ لَا يَكُونُ وَفْقَ الْمُشَافَهَةِ , وَذَا مُحْتَمِلٌ لِلرُّجُوعِ , فَهَا هُنَا أَوْلَى , وَسَوَاءٌ أَعَلِمَ الرَّسُولُ رُجُوعَ الْمُرْسِلِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ , بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَ إنْسَانًا ثُمَّ عَزَلَهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ , فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَزْلُهُ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ يَحْكِي كَلَامَ الْمُرْسِلِ وَيَنْقُلُهُ إلَى الْمُرْسَلِ إلَيْهِ , فَكَانَ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا مَحْضًا , فَلَمْ يُشْتَرَطْ عِلْمُ الرَّسُولِ بِذَلِكَ , فَأَمَّا الْوَكِيلُ فَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ عَنْ تَفْوِيضِ الْمُوَكِّلِ إلَيْهِ , فَشَرَطَ عِلْمَهُ بِالْعَزْلِ , صِيَانَةً عَنْ التَّغْرِيرِ . وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيُّ عَنْ ابْن سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ شَخْصًا أَرْسَلَ صَدَقَةً مَعَ رَسُولِهِ , ثُمَّ بَدَا لَهُ فَاسْتَرَدَّهَا مِنْ الطَّرِيقِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ , وَإِذَا مَاتَ الْمُرْسِلُ قَبْلَ وُصُولِهَا كَانَتْ تَرِكَةً لِوَرَثَتِهِ .