15 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يستحبّ للمصلّي في التّشهّد الإشارة بسبّابته ، وتسمّى في اصطلاح الفقهاء"المسبّحة"وهي الّتي تلي الإبهام ، ويرفعها عند التّوحيد ولا يحرّكها ، لحديث ابن الزّبير « أنّه صلى الله عليه وسلم كان يشير بأصبعه إذا دعا ، ولا يحرّكها » وقيل يحرّكها ، لحديث وائل بن حجرٍ « أنّه صلى الله عليه وسلم: رفع أصبعه فرأيته يحرّكها » وتفصيل كيفيّة الإشارة من حيث عقد الأصابع أو بسطها ، والتّحريك وعدمه يأتي في ( الصّلاة ) .
إشارة المحرم إلى الصّيد:
16 -إذا أشار المحرم إلى صيدٍ ، أو دلّ حلالًا عليه فصاده حرم على المحرم أكله . وهذا القدر لا يعلم فيه خلافٌ بين الفقهاء ، « لحديث أبي قتادة في قصّة اصطياده وهو غير محرمٍ ، قال: فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها ، أو أشار إليها ؟ قالوا: لا قال: فكلوا ما بقي من لحمها » . وإن لم تكن منه إعانةٌ على قتله بشيءٍ حلّ له الأكل منه عند جمهور الفقهاء للحديث السّابق .
واختلف الفقهاء في وجوب الجزاء على المشير ، فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يجب عليه الجزاء ، لأنّ الإشارة إلى الصّيد من محظورات الإحرام بدليل تحريم الأكل منه ، فتكون جنايةً على الصّيد بتفويت الأمن على وجهٍ ترتّب عليه قتله ، فصارت كالقتل . وعند المالكيّة والشّافعيّة لا جزاء على المشير ، لأنّ النّصّ علّق الجزاء بالقتل . وليست الإشارة قتلًا .
الإشارة إلى الحجر الأسود والرّكن اليمانيّ:
17 -اتّفق الفقهاء على استحباب استلام الحجر الأسود والرّكن اليمانيّ باليد أو غيرها عند الطّواف ، لحديث « ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما تركت استلام هذين الرّكنين في شدّةٍ ولا رخاءٍ منذ رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستلمهما » . كما اتّفقوا على استحباب الإشارة إلى الحجر الأسود عند تعذّر الاستلام ، لحديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: « طاف النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعيرٍ ، كلّما أتى على الرّكن أشار إليه » . واختلفوا في الإشارة إلى الرّكن اليمانيّ عند تعذّر الاستلام . فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يشير إليه إن عجز عن استلامه ، وذهب الشّافعيّة ومحمّد بن الحسن إلى أنّه يشير إلى الرّكن اليمانيّ قياسًا على الحجر الأسود .
التّسليم بالإشارة:
18 -لا تحصل سنّة ابتداء السّلام بالإشارة باليد أو الرّأس للنّاطق ، ولا يسقط فرض الرّدّ عنه بها . لأنّ السّلام من الأمور الّتي جعل لها الشّارع صيغًا مخصوصةً ، لا يقوم مقامها غيرها ، إلاّ عند تعذّر صيغتها الشّرعيّة . وتكاد تتّفق عبارات الفقهاء على القول: بأنّه لا بدّ من الإسماع ، ولا يكون الإسماع إلاّ بقولٍ . وقد ورد في الحديث: « لا تسلّموا تسليم اليهود ، فإنّ تسليمهم بالأكفّ والرّءوس والإشارة » . وروى علقمة عن عطاء بن أبي رباحٍ قال: « كانوا يكرهون التّسليم باليد » . يعني الصّحابة رضوان الله عليهم .
أمّا الأصمّ ومن في حكمه ، وغير المقدور على إسماعه كالبعيد ، فالإشارة مشروعةٌ في حقّه ، وقال بعض الفقهاء: إذا سلّم على أصمّ لا يسمع ينبغي أن يتلفّظ بالسّلام ، لقدرته عليه ، ويشير باليد . ويسقط قرض الرّدّ من الأخرس بالإشارة ، لأنّه مقدوره ، ويردّ عليه بالإشارة والتّلفّظ معًا . وانظر مصطلح: ( سلامٌ ) .
الإشارة في أصل اليمين:
19 -لا تنعقد يمين النّاطق بالإشارة ، لأنّها لا تنعقد إلاّ بأسماء اللّه وصفاته .
أمّا الأخرس فذهب بعض الفقهاء إلى أنّ يمينه لا تنعقد . وذهب آخرون إلى أنّه إذا كانت له إشارةٌ مفهمةٌ حلف ، وتصحّ يمينه ، وإن كانت غير مفهمةٍ ، ووجبت عليه يمينه ، وقف حتّى تفهم إشارته . ونسب الزّركشيّ هذا للإمام الشّافعيّ . وانظر مصطلح ( أيمانٌ ) .
إشارة القاضي إلى أحد الخصوم:
20 -لا يجوز للحاكم أن يعمل أعمالًا تسبّب التّهمة وسوء الظّنّ في مجلس الحكم ، ممّا يوهم أنّه يفضّله على خصمه ، كالإشارة لأحد الخصمين باليد ، أو بالعين أو بالرّأس ، لأنّ ذلك يسبّب انكسارًا لقلب الخصم الآخر ، وقد يحمله ذلك على ترك الدّعوى واليأس من العدالة ، ممّا يترتّب عليه ضياع حقّه . وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء .
وقد روى عمر بن شبّة في كتاب قضاة البصرة بإسناده عن أمّ سلمة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من ابتلي بالقضاء بين المسلمين ، فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر » وفي روايةٍ: « فليسوّ بينهم في النّظر والإشارة والمجلس » .
إشارة المحتضر إلى الجاني عليه:
21 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يعتبر قول المحتضر: قتلني فلانٌ ، ولا يكون ذلك لوثًا ، لأنّه لا يقبل دعواه على الغير بالمال ، فلا يقبل ادّعاؤه عليه بالدّم ، ولأنّه مدّعٍ فلا يكون قوله حجّةً على غيره . لحديث: « لو يعطى النّاس بدعواهم لادّعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم » فإذا لم تعتبر أقواله فلا تقبل إشارته من باب أولى . وذهب مالكٌ إلى أنّه إذا قال المحتضر الحرّ المسلم البالغ العاقل: قتلني فلانٌ عمدًا ، ثمّ مات فإنّه يكون لوثًا ، فيثبت القصاص بعد حلف أولياء الدّم يمين القسامة . أمّا إذا قال: قتلني خطأً ، ففي ذلك عن الإمام مالكٍ روايتان: إحداهما: لا يقبل قوله ، لأنّه يتّهم على أنّه أراد إغناء ورثته .